البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٤٩ - النقطة الثانية بيان المقصود من الملازمة بين حكم العقل و حكم الشارع
لم يبق موضوعاً للبحث في تلك الملازمة، فلو افترضنا أنّ العقل لم يدرك الملازمة بين النار و الحرارة و لكنّه أدرك وجود النار في مكان معيّن، فإنّه لن يتمكن من إدراك وجود الحرارة لمجرد إدراكه لوجود النار، و في المقام لو فرض أنّ العقل لم يدرك الملازمة بين وجود الملاك التام في فعل معيّن و بين لزوم جعل حكم شرعي في مورد ذلك الملاك، أو إنه لم يدرك الملازمة بين اتصاف الفعل المعيّن بالحسن و بين لزوم جعل حكم شرعي تبعاً لذلك الحسن، فلن يبق أي مجال للبحث عن الملازمة بين حكم العقل و حكم الشارع، حتى لو فرض إدراك العقل لتمام الملاك في الفعل المعيّن أو إدراكه لاتصاف الفعل المعيّن بالحسن، وعليه، فإنّ إدراك العقل لحسن الصدق مثلًا يلزم منه إدراكه لحكم الشارع بوجوبه؛ نتيجة لإدراكه الملازمة بين حسن الصدق و وجوبه، و إلا فلا معنى للقول بلزوم حكم الشارع بوجوب الصدق تبعاً لحكم العقل بحسن الصدق إذا لم تكن هناك ملازمة بين حسن الصدق و وجوبه شرعاً.
ثمّ إنّ الحاكم بهذا اللزوم بين الأمرين هو العقل، و نتيجة لهذه الملازمة بين مورد حكم العقل و متعلقه و بين حكم الشارع، يتم استكشاف الحكم الشرعي من خلال إدراك العقل لذلك المورد أو المتعلق، و يكون ذلك دليلًا عقلياً على الحكم الشرعي؛ لأنّ الحكم الشرعي تم استكشافه و الوصول إليه عن طريق حكم العقل بالملازمة بين ما إدراكه و بين لزوم حكم الشارع على طبق ذلك [١].
و هذا الذي بينّاه في هذه النقطة و ما سوف نبينه في النقطة التي تليها، و إن كان لا يخلو من الدقة، و لكنّه بدرجة من الأهمية التي يمكن معها الوقوف على حقيقة و طبيعة البحث في هذه المسألة، و كيفية وقوع الخلاف فيها و أسبابه، مما يجعل من المطلب العلمي المطروح في هذه المسألة أكثر وضوحاً.
[١] ينبغي الالتفات إلى أن لحكم العقل في المقام موردين و موضوعين، أحدهما: عبارة عن: نفس الملازمة بين حكمه و حكم الشارع، و الآخر: عبارة عن: أحد طرفي الملازمة، و من المعلوم أنّ أحد هذين الموردين غير الآخر؛ فإن حكم العقل بالملازمة بين حكمه بحسن الصدق و حكم الشارع بوجوبه هو غير حكمه بحسن الصدق، و المورد الأول لحكم العقل يمثل كبرى الدليل العقلي بينما يمثل المورد الثاني صغرى هذا الدليل.