البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٤ - تحقيق الحال في أخبار هذه الطائفة
على حجّية خبر من كان ثقة عند الإمام (ع)، و معتمداً لديه، و أميناً على أسراره، فيكون الدليل أخص من المدّعى [١].
و إن أبيت ذلك، فلا أقل من احتمال اختصاصها بمن كان ثقة عند الإمام (ع) خاصة، و إن لم تكن ظاهرة في هذا المعنى، و هذا يكفي لمنع ظهورها في اثبات الحجية لمطلق الثقة؛ و بدونه لا يتم الاستدلال بها كما هو واضح؛ إذ مع وجود مثل هذا الاحتمال، تكون الرواية مجملة، و المجمل لا يكون حجة إلّا بالمقدار المتيقن منها كما مضى عليك ذلك، و المقدار المتيقن فيما نحن فيه، هو: مَن كان ثقة الإمام (ع) خاصّة، و إلى هذا المعنى الذي ذكرناه، أشار السيد الشهيد (قدس) بقوله: «و لعله يتناول خصوص الأشخاص المعتمدين شخصياً للإمام» [٢].
[١] إن قلت: إنّ هذا لا يمنع من الاستدلال بهذه الأخبار على حجية خبر الثقة؛ لأنّ تحذير الإمام من التشكيك في ما يرويه مَن هو ثقة لديه إنّما هو لأجل كونه ثقة لا لشيء آخر، الأمر الذي يعني: جواز العمل بخبر الثقة، و هذا يعني: حجية خبر الثقة.
كان الجواب: إنّ هذا الكلام قد يكون وجيهاً لو كان تحذير الإمام من التشكيك في ما يرويه الثقة بملاك أنّه ثقة، و أمّا لو كان التحذير من التشكيك بملاك كون الراوي زرارة مثلًا على نحو يكون عنوان: «ثقاتنا» عنواناً مشيراً إلى زرارة و غيره ممن هو ثقة عند الإمام، فلا مجال للاستدلال بهذه الأخبار لاثبات حجية خبر مطلق الثقة، فيكون قول الإمام المتقدم بمثابة قوله: «لا ينبغي التشكيك في ما يرويه عنّا زرارة» و من الواضح أنّ هذا لا يدل على حجية خبر الثقة.
وعليه، فإن كانت إثارة السيد الشهيد لهذه المناقشة بالمعنى الذي ذكرناه في الجواب فهي صحيحة قطعاً، و إلّا ففيها تأمّل؛ إذ من الممكن القول بأنّه لا فرق عندئذ في جواز الرجوع إلى خبر الثقة بين كون الراوي ثقة عند الإمام و بين كونه ثقة عند غيره ما دام الملاك في الإرجاع هو الوثاقة ليس إلّا
[٢] و خلاصة ما يريد السيد الشهيد بيانه في هذه العبارة، هو: إن عنوان (ثقاتنا) الذي ورد في الرواية، تارة يوجب ظهورها في الاختصاص بمَن كان ثقة عند الإمام و عدم شمولها لمطلق الثقة و لو عند غير الإمام، فبطلان الاستدلال بهذه الرواية على المطلوب حينئذ يكون واضحاً جداً، و أخرى لا يوجب ظهورها في الاختصاص، و مع ذلك لا يتم الاستدلال بها؛ و ذلك لأن المطلوب اثبات ظهورها في الشمول لمطلق الثقة، و من الواضح: أن عدم ظهورها في الاختصاص لا يعني ظهورها في الشمول؛ لأن مجرّد احتمال اختصاصها بمن كان ثقة عند الإمام خاصة يمنع من ظهورها في الشمول.
لا يقال: إنّ الظهور يستبطن الاحتمال دائماً و معه لا يمكن أن يفترض كون الاحتمال مانعاً من الظهور.
فإنّه يقال: إنّ الاحتمال الذي يستبطنه الظهور دائماً و الذي لا يمكن أن يفرض كونه مانعاً منه هو احتمال إرادة خلاف المعنى، أي احتمال مخالفة الظهور للواقع، و ليس احتمال الظهور المخالف الذي مرجعه إلى الشك في الظهور؛ فإنّ الثاني يحول دون انعقاد الظهور بخلاف الأول، و ما نحن فيه في المقام هو الاحتمال من النحو الثاني لا الاحتمال من النحو الأول؛ فإنّ احتمال الظهور في الخصوص لا يمكن أن يجتمع مع الظهور في العموم، بخلاف احتمال إرادة الخصوص فإنّه يجتمع قهراً مع الظهور في العموم.