البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٣٤ - الملاك الثالث استلزام النهي لكون متعلقه معصية مبعدة لا يمكن التقرب به
ممتنع، فلا بدّ من القول بسقوط الأمر هروباً من محذور اجتماع الضدين- الوجوب و الحرمة- الذي ثبت استحالته، و إذا سقط الأمر، فلا يكون ما أتى به المكلّف حينئذٍ مصداقاً للواجب؛ لأن كونه كذلك، يتوقّف على وجود أمر به كما هو واضح، و المفروض عدم وجود الأمر، و إذا لم يكن مصداقاً للواجب، فلا يمكن الاجتزاء به في مقام الامتثال، و يكون حاله حال من أمر بالصلاة و أتى بفعل آخر غير الصلاة، و هذا هو معنى البطلان في العبادة كما تقدّمت الإشارة إليه [١].
الملاك الثاني: استلزام النهي لمبغوضية العبادة
و أمّا الملاك الثاني فمحصله، هو: أنّ تعلّق النهي بالعبادة يكشف لا محالة عن مبغوضيتها للمولى، و إلا، فلا معنى للنهي عنها، و مع فرض مبغوضيتها للمولى، فإنه يستحيل التقرّب بها إليه، و مع عدم إمكان التقرّب بها، لا يقع ما أتى به المكلف عبادة، و هذا هو معنى البطلان [٢].
الملاك الثالث: استلزام النهي لكون متعلقه معصية مبعدة لا يمكن التقرب به
و أمّا الملاك الثالث، فهو: أنّ النهي إذا تعلّق بالعبادة، استوجب ذلك بحكم العقل قبح الإتيان بها؛ لأنها معصية للمولى، و من المعلوم: إنّ المعصية مبعّدة عن المولى و معه يستحيل التقرّب بها [٣].
[١] هذا البرهان لبطلان العبادة المنهي عنها، يبتني على القول بعدم جواز اجتماع الأمر مع النهي كما هو واضح، و إلا، فعلى القول بالجواز، فلا مورد لهذا البرهان
[٢] إن قلت: إنّه يكفي للحكم ببطلان العبادة عدم وجود الأمر بها؛ و ذلك لسقوطه بسبب تعلق النهي بها، و معه، فلا حاجة إلى اثبات البطلان بهذا الوجه.
كان الجواب: إنّ هناك من لا يرى كفاية عدم الأمر للحكم ببطلان العبادة إذا كان سقوطه لمانع، كما في المقام، و معه، لا يتم بالنسبة إليه الملاك الأول لاثبات اقتضاء الحرمة للبطلان، فلا بد من إثبات ذلك بملاك آخر، و قد جاء هذا الملاك لاثبات البطلان حتى على هذا القول
[٣] قد يقول قائل بأنه لا فرق بين هذا الملاك و الملاك الذي سبقه باعتبار أنه على كليهما يستحيل التقرب بالفعل فيكون مرجعهما إلى ملاك واحد للفساد و هو استحالة التقرب وعليه فلا معنى لجعلهما ملاكين مستقلين.
و الصحيح: إنّ ما قيل من أنّ ملاك الحكم بالفساد في كليهما هو استحالة التقرب و إن كان صحيحاً إلّا أنّ نكتة الاستحالة في أحدهما غير الأخرى حيث أنها في أحدهما عبارة عن مبغوضية الفعل و في الآخر عبارة عن كونه معصية مبعدة الأمر الذي ترتب على ذلك أن يحكم بالفساد في مورد النهي الغيري إذا كان ملاك الفساد هو المبغوضية و لا يحكم بذلك إذا كان ملاك الفساد هو المعصية و المبعّدية؛ فإنّ متعلق النهي الغيري و متعلق النهي النفسي يشتركان في المبغوضية غاية الأمر أنّ مبغوضية الأول تبعية و مبغوضية الثاني نفسية بينما هما ليسا كذلك من ناحية المعصية فإنّ مخالفة النهي الغيري بما هي هي ليست معصية.