البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥١ - مناقشة الاستدلال بهذه الطائفة
فردّوه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله، فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم، فذروه، و ما خالف أخبارهم، فخذوه» [١].
تقريب الاستدلال بهذه الطائفة:
و أمّا تقريب الاستدلال بهذه الطائفة على حجية خبر الواحد، فبأن يقال: إنّ التعارض بين دليلين لا يتصوّر إلّا إذا كان كل منهما- و بقطع النظر عن معارضته للآخر- حجّة في نفسه، و إلّا، فلو لم يكن كل منهما حجّة في نفسه، بل لو فرض كون أحدهما حجّة دون الآخر، أو لم يكن شيء منهما حجة أصلًا، فلا معنى للتعارض بينهما كما هو واضح، و مع عدم التعارض، لا يبقى أي معنى للترجيح، فالأمر بإعمال المرجحات، دليل على أن كل خبر حجّة في نفسه، و هذا يعني: حجّية خبر الواحد.
مناقشة الاستدلال بهذه الطائفة:
قوله (قدس) ص ٢٣٨: «و نلاحظ: ان دليل الترجيح هذا يناسب الحديثين ... إلخ».
و يناقش في الاستدلال السابق، بأنّ الدليلين المتعارضين، تارة يكون كل منهما قطعي الصدور و لكن دلالة أحدهما تكذّب بالدلالة الالتزامية دلالة الآخر، و أخرى يكون كل منهما ظنيّ الصدور، و دليل الترجيح بموافقة الكتاب أو بمخالفة العامّة، كما يناسب الحديثين الظنيين صدوراً، كذلك يناسب الحديثين القطعيين صدوراً إذا تعارضا، و على الأول، يتوقف تعقل الترجيح على افتراض الحجّية التعبدية لكل منهما، و على الثاني، لا يتوقف على ذلك؛ لافتراض أنّ كلًا منهما حجّة بسبب القطع.
و حينئذٍ نقول: لم يثبت نظر الرواية إلى الحديثين الظنيين صدوراً حتى يقال: إنّ ذلك يكشف عن جعل الحجّية التعبّدية لكل منهما في نفسه و بقطع النطر عن التعارض، وعليه، فلا دلالة في الرواية المتقدمة على حجّية خبر الواحد [٢]، و منه يظهر عدم الحاجة إلى البحث عن الجهة الثانية.
[١] الوسائل، ج ١٨، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، ح ٢٩
[٢] إن قلت: لما ذا لا نتمسك باطلاق هذه الرواية لكل خبرين متعارضين، لإثبات أن الترجيح شامل للحديثين القطعيين صدوراً و للحديثين الظنيين صدوراً، و يثبت المطلوب؟
كان الجواب: لا مجال هنا للتمسك باطلاق الرواية؛ لأنها لم تكن في مقام البيان من ناحية حجّية الخبر، و من المعلوم أنّ مقدّمات الحكمة تتوقف على أن يكون المتكلّم في مقام البيان بالنسبة إلى الجهة التي يُراد إثبات الإطلاق بلحاظها.