البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٠١ - تحقيق الحال في الوجه الثالث
نفسه عن الفرد المباح من المقدّمة مع بقاء الفرد المحرّم على حرمته تعجيزاً له شرعاً عن الإتيان بذي المقدّمة، فيكون المكلّف بذلك قد عجّز نفسه عن ذي المقدّمة.
و هذا نظير من أراق الماء و لم يوجد عنده غيره فلم يتمكن من الوضوء، فإنه سوف يعجّز نفسه عن الإتيان بالصلاة بالطهارة المائية، وعليه، فالمنع شرعاً عن مقدّمة الواجب كما في المقام- حيث إنّ الغصب الذي يستلزمه الخروج الواجب و الذي هو مقدمة للخروج حرام شرعاً- هو تعجيز شرعي عن الواجب ذي المقدّمة و هو الخروج الفوري، و حيث إن هذا التعجيز المفترض قد حصل بسوء اختيار المكلّف؛ إذ لو لا اختيار المكلّف للغصب لما كان التخلص من الغصب متوقفاً على تلك المقدمة المحرمة؛ لأنه كان بإمكانه أن لا يورط نفسه بالغصب من أول الأمر، فعندها سوف يسقط الخطاب المتكفل للأمر بذي المقدمة على القول المشهور بأن الاضطرار بسوء الاختيار ينافي الاختيار خطاباً و لكن لا ينافيه عقاباً، حيث إنّ الإدانة ثابتة قطعاً.
و لكن مجرد سقوط الخطاب الغيري المتعلق بالمقدّمة المحرّمة و عدم تعلّق الأمر الشرعي بها لا يحول دون حكم العقل بلزوم تحصيل ذي المقدمة و هو الخروج و التخلص من الغصب بقاءً و لو بارتكاب تلك المقدمة المحرّمة؛ لأن ذلك أهون الأمرين، فالمكلف في هذه الحالة بين أن يترك ذي المقدمة باعتبار أن الإتيان به سوف يؤدي به إلى ارتكاب المقدمة المحرّمة، الأمر الذي يعني: البقاء في الأرض المغصوبة و هو غصب محرم أيضاً، و بين أن يأتي بذي المقدّمة و يقع في الحرام نتيجة ارتكابه للمقدّمة المحرّمة- و هي الغصب الذي يستلزمه الخروج- و حينئذٍ سوف يؤدي لزوم تحصيل ذي المقدّمة إلى الاضطرار إلى ارتكاب المحرّم، و عندها سوف تسقط تلك
الحرمة أيضاً؛ لما ذكرناه من أنّ الاضطرار و لو بسوء الاختيار ينافي الاختيار خطاباً، بمعنى: أنه لا يمكن توجه الخطاب إلى المكلف في فرض الاضطرار و إن كان عن سوء اختيار.
وعليه، فكما يسقط الأمر الغيري المتعلق بالمقدمة، فكذلك يسقط النهي النفسي المتعلق بنفس تلك المقدّمة، غير أن روحه بما تستتبعه من إدانة و مسئوليّة ثابتة [١].
[١] لا يخفى عليك أنّ هذا الوجه يبتني على مسلك المشهور القائل بأن الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً و لكنّه ينافيه خطاباً، و لا يتم على مبنى السيد الشهيد القائل بعدم منافاة اطلاق الخطاب للاضطرار بسوء الاختيار، أو على الأقل الالتزام ببقاء روح الخطاب و ملاكه و عدم منافاة ذلك للاضطرار حتى لو كان بسوء الاختيار، و معه، سوف تبقى المشكلة على حالها، و لا ينفع في حلّها القول بسقوط الخطاب؛ لأنّ التنافي بين المبادئ ثابت على كل حال، و هذا هو الذي اعتمد عليه في الرد على محاولة رفع التنافي بين الأمر و النهي بملاك الاضطرار بسوء الاختيار بالنسبة إلى الخصوصية الثالثة المتقدمة.
فالخطاب المتعلق بذي المقدمة- و هو الأمر بالخروج- و إن كان ساقطاً باعتبار أنّ التعجيز الشرعي عن المقدمة هو تعجيز شرعي عن ذي المقدمة، و لكن، لمّا كان بسوء اختيار المكلف، فإنّ مبادئه باقية و محفوظة، الأمر الذي يعني: اتصاف المقدمة بمبادئ الوجوب الغيري، و إن لم تكن متصفة بنفس الوجوب الغيري؛ نتيجة للالتزام بالملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة و لو في مرحلة المبادئ خاصّة، كما إنّ النهي النفسي المتعلّق بالمقدمة و إن كان ساقطاً، و لكن مبادئه محفوظة و ثابتة بنفس التقريب المتقدم.
وعليه، فهذا الوجه لا يصلح لرفع التنافي بين الأمر و النهي في مورد الخروج من الأرض المغصوبة على النحو الذي يجعله متعيناً على غيره من الوجوه المذكورة في المقام.
نعم، قد ورد في كلمات السيد الشهيد ما يمكن معه رجوع هذا الجواب روحاً لا صياغة إلى الجواب الثاني، و هو: قوله ص ٤٠٧: «غير أن العقل يحكم بلزوم تحصيل ذي المقدمة و لو بارتكاب المقدمة المحرمة؛ لأن ذلك أهون الأمرين»؛ لأنّ المقصود بالأمرين هنا، إمّا البقاء المستلزم للغصب مدة أطول مع احتياج التخلص منه إلى الخروج دوماً، و إمّا الخروج المستلزم للغصب بمقدار زمن الخروج، و لا شكّ في تعيّن الخروج الفوري دون البقاء كما هو واضح؛ غاية الأمر، يكون الفرق بين الوجهين، هو: إنّ ظاهر الوجه الثاني- حيث إنّه خصص دليل حرمة الغصب بغير هذه الحصّة- الالتزام بعدم العقاب، بينما الوجه الثالث يلتزم بثبوت العقاب و الإدانة.