البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٢٨ - التصوير الصحيح للثمرة الفقهية لهذا النزاع
باعتباره يقتضي- بناءً على ثبوت الملازمة- حرمة الإنقاذ غيرياً، و دليل وجوب الإنقاذ؛ لأنه من اجتماع الوجوب و الحرمة على فعل واحد و هو الإنقاذ و هذا مستحيل، فيكون التنافي بين الجعلين، و قد تقدّم سابقاً بأنه كلما كان التنافي بين الجعلين، دخل الدليلان في باب التعارض، و يكون المرجع في علاج ذلك هو تطبيق قواعد باب التعارض بدلًا من قواعد باب التزاحم [١].
ثانياً: المورد الثاني الذي يمكن تصوير الثمرة الفقهيّة للنزاع في الوجوب الغيري من خلاله، هو: فيما إذا اتفق عكس ما فرضناه في المورد الأول، بحيث اتفق أن أصبح الواجب متوقفاً على مقدمة محرمة، كما لو توقف إنقاذ الغريق الواجب على اجتياز الأرض المغصوبة على نحو لا يمكن معه إيجاد الواجب و ترك الحرام معاً، و افترضنا أيضاً أن الواجب أهم من الحرام. ففي هذه الحالة، تارة نفترض أن المكلف اجتاز أرض الغير لأجل إنقاذ الغريق و لكنه تراجع عن ذلك و ترك الإنقاذ باختياره، و أخرى نفترض أنه اجتاز الأرض المغصوبة و أنقذ الغريق.
و لا شكّ في سقوط الحرمة و عدم ارتكابه المحرم في الصورة الثانية؛ و ذلك رعاية للواجب الأهم، و لا يفرق الحال في ذلك سواء قلنا بثبوت الملازمة أم أنكرنا ذلك، و سواء قلنا باختصاص الملازمة بالحصة الموصلة من المقدمة أم عممنا الملازمة لمطلق المقدمة
و إن لم تكن موصلة [٢].
[١] هذا للإشارة و التنبيه منه- (قدس سره)- إلى أن الأصل في الفرض المذكور لو خلي و نفسه و بقطع النظر عن النزاع في ثبوت الملازمة و عدمها لكان من باب التزاحم و أن دخول المورد المذكور في باب التعارض كان نتيجة الالتزام بثبوت الملازمة المدعاة و لأجلها خرج المورد من التزاحم إلى التعارض و لو لم يكن مقصوده ما أردناه لما كان معنى للقول بأن المتعارضين تطبق عليها قواعد التعارض بدلًا من قانون باب التزاحم
[٢] لا يتوهم أن المراد بالمقدمة الموصلة ما يتمكّن معها المكلف من ايجاد الواجب، و المقدمة غير الموصلة لا يتمكن معها من ايجاد الواجب؛ فإن هذا التوهم لا أساس له؛ لأنه لا معنى لفرضها مقدمة للواجب إذا كانت مما لا يتمكن معها المكلف من ايجاد الواجب؛ لأن فرض مقدميتها للواجب، يعني: توقف الواجب عليها.
فإنّ المقصود بالمقدمة الموصلة، هي: المقدمة التي يقع معها الواجب فعلًا بحيث يوجدها و يوجد الواجب أيضاً. و المقصود بغير الموصلة هي: المقدمة التي لا يقع معها الواجب فعلًا كما لو أوجد المقدمة و لم يوجد الواجب معها مع تمكنه بحسب الفرض من إيجاده.
وعليه، فالمناط في تقسيم المقدمة إلى موصلة و غير موصلة، هو: اتيان المكلف للواجب بعد اتيانه بمقدمته أو عدم اتيانه بها. فإنّ الذين آمنوا بثبوت الملازمة، قد ذهب بعضهم إلى اختصاصها بالحصة الموصلة من المقدمة، بينما ذهب البعض الآخر إلى تعميمها لمطلق المقدمة حتى لو لم تكن موصلة، و سوف نشير إلى ذلك لاحقاً.