البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤١٩ - النقطة الأولى في تعريفه و بيان الفرق بينه و بين الواجب النفسي
تحديد مركز حق الطاعة للمولى، فقد يجعل نفس الشيء الذي يحبّه و يريده في عهدة المكلف، و قد يجعل شيئاً آخر يعلم المولى أنه يحقق مراده في عهدته كما مرّت الإشارة إلى ذلك في بداية الحلقة.
وعليه، فالمصلحة التي من أجلها أوجب الشارع الصلاة و إن كانت هي مركز الحب الأصيل للمولى، و لكنه جعل نفس الصلاة التي يعلم المولى أنّه يحقق مراده في عهدة المكلف دون نفس المصلحة، فتكون الصلاة هي الواجب دون المصلحة في عالم الجعل و الاعتبار [١].
و على هذا، فما يجعله الشارع من إيجاب على فعل ابتداءً و يدخله في عهدة المكلف و يحدده مركزاً لحق طاعته يكون هو الواجب دون المصلحة التي أوجب الشارع ذلك الفعل لأجلها، فجعل الشارع الإيجاب على الصلاة ابتداءً، و تحديدها مركزاً لحق الطاعة، و إدخالها في عهدته، و عدم إدخال نفس المصلحة في العهدة، يجعل الصلاة واجباً نفسياً لا غيرياً؛ لأن الصلاة لم تجب لواجب آخر و إن وجبت لأجل المصلحة المرتبة عليها و خلافاً لذلك الوضوء؛ فإنه إنما وجب من أجل الصلاة الواجبة، فينطبق عليه تعريف الواجب الغيري.
و حينئذٍ، تكون الضابطة للتمييز بين الواجب الغيري و الواجب النفسي، هي: إن كان
الواجب الشرعي قد وجب لواجب آخر، كان واجباً غيرياً، و إن لم يكن قد وجب
[١] إن قيل: إذا كانت الصلاة و أمثالها واجبة لأجل المصالح الكامنة في متعلقاتها على نحو يكون المطلوب الأصلي هو نفس تلك المصلحة، فما الداعي إلى إدخال الصلاة في عهدة المكلف دون نفس المصلحة؟
كان الجواب: إنّ المصلحة التي وجبت لأجلها الصلاة أو غيرها، ليس من السهل تحديدها للمكلف بالنحو الذي يفهم منها أمراً محدداً و واضحاً مفهوماً و مصداقاً. فلو فرض أن مصلحة الصلاة هي عروج المؤمن إلى الله تعالى، فإن مثل هذا العنوان و لأجل عدم وضوح إيجاده خارجاً بالنسبة للمكلف، لا يمكن أن يجعل الوجوب عليه و يدخله المولى في عهدة المكلف؛ لعدم وجود ضابطة محددة له، الأمر الذي يجعل كل مكلف يختار الطريق الذي يعتقد من خلاله أنه يحقق هذا العروج. فهنا- و لأجل الحفاظ على هذا الهدف و الغرض- يدخل المولى في عهدة المكلف أمراً محدداً يفهمه المكلف مفهوماً و تطبيقاً مع علمه بأنه سوف يؤدي و لو غالباً إلى الوصول إلى الهدف، فيوجبه كالصلاة مثلًا. و هناك وجوه أخرى ذكرها السيد الشهيد في بحوث في علم الأصول ج ٢، ص ٢٢٢، فراجع.