البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤١٨ - النقطة الأولى في تعريفه و بيان الفرق بينه و بين الواجب النفسي
وجب لغيره أو وجب لواجب آخر. و الواجب النفسي: ما وجب لنفسه أو لا لواجب آخر.
و قد لوحظ على هذا التعريف للواجب الغيري و التفريق بينه و بين الواجب النفسي، أن كل ما كان من الواجبات النفسية كالصلاة و الصيام و الحج فهي إنّما وجبت لما يترتب عليها من المصالح و الفوائد الكامنة في تلك الأفعال، و هذه الواجبات مغايرة وجوداً لتلك المصالح و الفوائد، فيصدق عليها أنها وجبت لغيرها، الأمر الذي يعني: أن كل هذه الواجبات تصبح غيريّة و لا يبقى في نطاق الواجب النفسي إلّا ما كانت مصلحته ذاتية له، كالإيمان بالله سبحانه و تعالى؛ فإنه لم يجب لمصلحة خارجة عن حقيقته، بل المصلحة هي نفس الإيمان بالله سبحانه.
و قد أجيب على الملاحظة المذكورة من قبل هؤلاء: بأن الصلاة و الحج و الصيام و غيرها من الواجبات النفسية و إن كانت قد وجبت من أجل المصلحة المترتبة عليها، إلّا أن هذا لا يصيّرها واجبات غيريّة، و لا يدرجها في تعريف الواجب الغيري؛ لأنه ليس المراد من الواجب الغيري كل واجب وجب لغيره مهما كان ذلك الغير، بل المراد به ما وجب لواجب آخر. و من النفسي ما وجب لا لواجب آخر.
وعليه، فلا يكون الواجب الغيري بهذا التعريف شاملًا للصلاة و أمثالها؛ فإن المصلحة التي لأجلها وجبت الصلاة ليست بنفسها متعلقاً للواجب، وعليه، فلا يصدق على الصلاة أنها وجبت لواجب آخر.
فإن قلت: إن إيجاب الصلاة من قبل الشارع إن كان لأجل تلك المصلحة، فكيف لا تكون تلك المصلحة واجبة، فهي الغاية لتلك الصلاة الواجبة و غاية الواجب واجبة؟
كان الجواب: إنّ للحكم الشرعي في مقام الثبوت ثلاثة مراحل أو عناصر: أحدها: الملاك، و ثانيها: الإرادة، و ثالثها: الجعل أو الاعتبار. و نحن عند ما نتكلم عن الإيجاب إنما نتكلم عن العنصر الثالث من عناصر الحكم في مقام الثبوت لا العنصرين الأول و الثاني منه. و من المعلوم: إن غاية الواجب يجب أن تشارك الواجب بدرجة أقوى إنما هو في عالم الحب و الإرادة؛ باعتبار أن حب ذلك الواجب إنما هو لأجل تلك الغاية، فلا بد من افتراض كون الغاية محبوبة أيضاً. و لا يلزم من ذلك أن تكون تلك الغاية
مشاركة للواجب في عالم الجعل و الاعتبار؛ و ذلك لأنّ أمر الجعل بيد المولى سبحانه و دوره