البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٨٩ - تحقيق الحال في هذا الوجه
هو من نتائجه دائماً، و بوجوده الذهني الذي يتصوره المولى ضمن تصوره لمتعلق الأمر يكون متقدماً، الأمر الذي يعني أن ما هو متقدم غير ما هو متأخر، فلا دور.
إن قلت: إن كون ما هو متقدم غير ما هو متأخر بالنحو الذي تقدم بيانه أمراً واضحاً، فكيف غفل عنه صاحب هذا البرهان؟
كان الجواب: إنّ ما ذكرناه و إن كان أمراً واضحاً لا ينبغي الغفلة عنه، و لكن هذا بالنسبة إلى مَن لم يشتبه عليه المتعلق بالموضوع و التفت إلى التمييز بينهما، فإن الموضوع غير المتعلّق؛ إذ المقصود بموضوع الحكم هو ما توقفت عليه فعلية الحكم و وجوبه، و هو المكلف المستطيع خارجاً، بينما المقصود بمتعلق الحكم هو الفعل الواجب الذي يأتي به المكلف امتثالًا للأمر المتعلق به، و الأول- أي: الموضوع- متقدم بوجوده الخارجي على الحكم من باب توقف فعلية الحكم على فعلية موضوعه، بينما المتعلق متأخر بوجوده الخارجي على الحكم؛ لأنه عبارة عن الفعل الذي يأتي المكلف به امتثالًا للأمر المتعلق به.
فلوجوب الحج موضوع، و هو: المكلف المستطيع، و متعلق و هو: فعل الحج.
فكأن صاحب هذا الوجه قد اشتبه عليه المتعلق بالموضوع، و تخيّل أن المقصود بأخذ قصد امتثال الأمر في متعلق نفس الأمر هو أخذه قيداً في موضوع الحكم، و حيث إنّ فعلية الحكم تابعة لفعلية موضوعه و تحققه خارجاً، فيلزم من ذلك كون قصد امتثال الأمر بوجوده الخارجي متقدماً على الأمر و الوجوب لما قلناه من أن فعلية الحكم تابعة لوجود موضوعه خارجاً، بينما وجود قصد امتثال الأمر و تحققه خارجاً من قبل المكلف متفرع على الوجوب؛ إذ لا بدّ من افتراض أمر في رتبة سابقة حتى يقصد امتثاله، فيلزم الدور.
و لكن، حيث ميزنا بين المتعلق و الموضوع، و بين الجعل و المجعول، و قلنا: إن المجعول تابع في فعليته لفعلية موضوعه و وجوده خارجاً لا لوجود المتعلق، و إن الجعل منوط بالوجود الذهني لكل من الموضوع و المتعلق لا بالوجود الخارجي لهما، فلا تنطوي علينا المغالطة المذكورة.