البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٧٦ - أخذ العلم بالحكم في موضوع مثله
و هذا النحو من أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم مستحيل؛ و ذلك لأنه مما يلزم منه اجتماع حكمين متضادين على موضوع واحد، إما واقعاً لو فرض كونه القاطع مصيباً في قطعه، و إما بنظره و اعتقاده لو فرض كونه مخطئاً في ذلك القطع؛ لأن القاطع يرى مقطوعه ثابتاً فيمتنع عليه أن يصدق بذلك. فمن علم بوجوب الصلاة لا يمكنه أن يصدق بحرمتها بأي درجة من درجات التصديق، و ما يمتنع تصديق المكلف به يمتنع على المولى سبحانه و تعالى جعله؛ لأنه يلزم منه اللغوية؛ إذ لا قيمة لمثل هذا الجعل، و في حالة كون القطع مصيباً للواقع يلزم اجتماع الضدين حقيقةً، و هو مستحيل، فكيف يمكن أن يصدق به القاطع؟!
و هذا الافتراض في حقيقته نحو من أنحاء الردع عن العمل بالقطع؛ إذ لا فرق بين أن يردعه عن ذلك مباشرة كأن يقول له: «إذا قطعت بوجوب الصلاة فلا تجب عليك الصلاة»، و بين أن يقول له: «إذا قطعت بوجوب الصلاة حرمت عليك الصلاة»، بأن يجعل على القاطع حكمٌ مضاد لما قطع به. و من الواضح أنّ استحالة هذا النحو من الجعل هي تعبير آخر عن استحالة الردع عن العمل بالقطع [١].
أخذ العلم بالحكم في موضوع مثله:
قوله (قدس) ص ٣٥٨: «و أما الافتراض الثالث فقد يطبق عليه ... الخ».
و أما أخذ العلم بالحكم في موضوع مثله، كما لو قال: «إذا علمت بوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة بوجوب آخر»، على نحو يكون الوجوب المجعول غير الوجوب المعلوم لكنه مثله، فقد يقال باستحالته أيضاً، و يطبق عليه نفس المحذور المتقدم، و لكن، باستبدال محذور اجتماع الضدين بمحذور اجتماع المثلين؛ فإن اجتماع المثلين كاجتماع الضدين في الاستحالة [٢].
[١] و هذا التقريب للاستحالة هو ما ذكره السيد الشهيد بحسب ما جاء عنه في بحوث في علم الأصول، ج ٤، ص ٩٩
[٢] و قد أجاب السيد الشهيد عن محذور اجتماع المثلين بقوله: «إنّ الكلام إذا كان بلحاظ عالم الجعل، فالمتعيّن الالتزام بالشق الأول، و هو تعدد الحكم، و لا يلزم محذور اجتماع المثلين؛ لأنه إنما يكون في الصفات الحقيقية الخارجية لا الأمور الاعتبارية، و إن كان الملحوظ عالم الملاك و مبادئ الحكم من الحب و البغض و الإرادة و الكراهة، فالمتعيّن الالتزام بالشق الثاني و هو التوحيد و التأكد، و لا ينشأ محذور من ناحية الطولية بين الحكمين؛ إذ يكفي في دفعه أن يقال: إن التأخر و التقدم بين الحكمين في المقام من التقدم و التأخر بالطبع لا بالعليّة؛ لوضوح أن الحكم الأول ليس علّة للحكم الثاني، و توحد المتأخر بالطبع مع المتقدم بالطبع لا محذور فيه كما هو الحال بين الجزء و الكل و الجنس و النوع». راجع: بحوث في علم الأصول، ج ٤، ص ١٠١.