البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٧ - مناقشة الأمر الثاني
إن قلت: حيث إنّ الآية قد سيقت لإفادة وجوب الإنذار، فحينئذ سوف نتمسك باطلاقها لإثبات أنّ الإنذار واجب مطلقاً، أفاد قول المنذر العلم أو لا، و إذا ثبت أن الإنذار واجب مطلقاً، فكذلك الحذر، يكون واجباً مطلقاً، أفاد قول المنذر العلم أو لا، و إلّا، لكان الأمر بالإنذار مطلقاً في هذه الحالة لغواً.
قلنا: بالإمكان منع الملازمة بين الاطلاقين، و قد تقدم ذلك؛ فمن الممكن أن يكون الإنذار واجباً مطلقاً أفاد قول المنذر العلم أو لا، و مع ذلك لا يوجب المولى التحذر إلّا على من حصل له العلم بقول المنذر، و إنما وجب الإنذار على كل حال من باب الاحتياط في مقام التشريع؛ حفاظاً على الموارد التي يكون فيها إنذار المنذر مستتبعاً لحصول العلم لدى السامع، و قد اضطرّ الشارع إلى ايجاب الإنذار مطلقاً من باب ضيق الخناق؛ و ذلك لعدم تمكّنه من اعطاء ضابطة معيّنة للمنذر يتم على أساسها التمييز بين الموارد التي يكون فيها إنذاره مستتبعاً للعلم أو مساهماً في حصوله، و الموارد التي لا يتحقق فيها ذلك.
الثاني: دعوى وجود قرينة في الآية تمنع عن انعقاد ظهورها في الإطلاق [١]، و تلك القرينة، عبارة عن: ظهور الآية في أن الإنذار متعلق بما تفقه فيه المنذر في هجرته و أثناء النفر، بمعنى: أن الذي يجب فيه الإنذار، عبارة عمّا علمه و تفقه فيه من الأحكام الشرعيّة، و الوجه في ذلك: أن الشارع قد جعل الإنذار غاية للتفقه في قوله: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، و أمّا ما ليس هو من الشارع و إن كان صاحبه يعتقد أنّه منهُ، فلا يجب فيه الإنذار.
إذن، ظهور الآية في وجوب الإنذار بخصوص ما تعلمه من أحكام شرعيّة، بحيث تكون مستنده إلى الشارع، يعتبر قرينة متّصلة تمنع من انعقاد ظهور الآية في الإطلاق لوجوب الحذر؛ لأن الحذر المطلوب، و وفقاً لتلك القرينة، هو: ما كان واقعاً عقيب الإنذار بما تفقه فيه المنذر من أحكام شرعيّة ثابتة في الشرع، و هذا يعني: أنّ السامع لا بدّ له أن يعلم أنّ ما أنذر به المنذر هو من الشارع، و إلّا، فمع الشك فى أن ما أنذر به المنذر، هل هو من الشارع حقاً أو
[١] هذا ثاني الوجوه التي اعترض بها الشيخ الأنصاري على الاستدلال بالآية على حجية خبر الواحد. راجع: فرائد الأصول، ج ١، ص ١٥٨.