البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٦ - مناقشة الأمر الثاني
السياق يعيّن الأول، أي: إنه من ترقب المحبوب؛ لأن الحذر لا يعقل أن يكون أمراً مرغوباً عنه لدى الشارع؛ لأنه وقع غاية لأمر محبوب لدى الشارع، و هو: النفر، و التفقة، و الإنذار، و من الواضح: إنّ غاية المحبوب و الواجب و إن لم تكن واجبة، و لكنها محبوبة قطعاً، و إذا ثبت محبوبية الحذر، ثبت مطلوبيته شرعاً، فيكون واجباً بالتقريب المتقدم في الوجه الأول [١].
و بهذا يكون الأمر الأول من الأمور الثلاثة التي يتوقف عليها الاستدلال تاماً. فلنرى حال كل من الأمرين الآخرين.
مناقشة الأمر الثاني:
قوله (قدس) ص ٢٣٢: «و قد يناقش في الأمر الثاني بعد تسليم الأول ... إلخ».
كان الأمر الثاني عبارة عن أن الحذر واجب مطلقاً، أفاد قول المنذر العلم أو لا، و قد يناقش في هذا أيضاً بدعوى: عدم الإطلاق في وجوب التحذّر لحالة عدم علم السامع بصدق المنذر، و اختصاصه بما إذا أفاد قوله العلم للسامع، و ذلك بأحد وجهين:
الأول: إن التمسّك باطلاق الوجوب- أيّ وجوب- لا يصح إلا إذا كان الكلام قد سيق من حيث الأساس لإفادة الوجوب [٢]، كما لو قال المولى: «صلِّ»، فإننا في مثل هذه الحالة، نستطيع أن نتمسك بالاطلاق في وجوب الصلاة؛ لأنّ هذا الكلام قد سيق من حيث الأساس لإفادة الوجوب، و أمّا في حالة عدم كون الكلام مسوقاً من حيث الأساس لإفادة ذلك الوجوب، بل كان مسوقاً لإفادة أمر آخر أفاد الوجوب ضمناً، فلا يمكن في مثل هذه الحالة التمسك باطلاق الوجوب، و ما نحن فيه من قبيل الثاني لا الأوّل؛ إذ إنّ الآية الكريمة جاءت أساساً لإفادة وجوب النفر و الإنذار، و لم تسق من حيث الأساس لإفادة وجوب التحذر حتى نتمسك بإطلاقه، وعليه، فلا تدل الآية على إطلاق وجوب التحذّر لحالة عدم علم السامع.
[١] اعلم أنّ القول بالملازمة بين كون الشيء محبوباً شرعاً، و بالتالي كونه مطلوباً شرعاً، و بين كونه واجباً، إنّما هو في خصوص المقام؛ لأجل عدم إمكان تصوّر استحباب الحذر مع فرض وجود ما يقتضيه، و إلّا فكون الشيء مطلوباً شرعاً لا يقتضي وجوبه؛ لأنّ المطلوب أعم من كونه واجباً أو مستحباً
[٢] تقدم في بحث الإطلاق و مقدمات الحكمة، أنّ التمسك بالإطلاق يتوقف على احراز كون المتكلم في مقام البيان بالنسبة إلى الجهة التي يراد التمسك بالإطلاق بلحاظها، و هذه من المقدمات المهمة التي يعتمد عليها التمسك بالإطلاق، و صاحب هذا الوجه، يدعي عدم التمكن من احراز ذلك بالنسبة لوجوب الحذر.