البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٥٤ - الأول المقدمات التي يفوت الواجب بسببها في ظرف دون آخر
الأخرى، و ذلك من قبيل: الوضوء- مثلًا- فقد يتفق أحياناً أن يكون الوضوء من المقدمات المفوتة للواجب بحيث لو لم يبادر المكلف إليها قبل زمان الواجب لما كان متمكناً منها في زمن الواجب، كما لو كان المكلف يعلم قبل الزوال بأنه إذا لم يتوضأ الآن فلن يكون قادراً على الوضوء بعد الزوال لأي سبب كان، ففي هذه الحالة، لا يكون المكلف مسئولًا عن تحصيل الوضوء قبل الزوال و إن كان متمكناً منه الآن و غير متمكن منه حين الزوال أو بعده، الأمر الذي لا يمكن معه الصلاة بوضوء حين الزوال.
و لا يكون المكلّف بذلك مخالفاً للتكليف بالصلاة بوضوء؛ لأنّ هذا التكليف ليس فعلياً قبل الزوال، و مع عدم فعليته لا يكون المكلف مسئولًا عن تحصيل مقدمات الواجب.
نعم، إذا تحقق الزوال أصبح ذلك التكليف فعلياً، و لكن لا مطلقاً، بل فيما إذا لم تكن فعليته منوطة بأمر آخر، و الحال إن فعلية وجوب الصلاة بعد الزوال منوطة بقدرة المكلف على الإتيان بمتعلقه و هو الصلاة بوضوء بحسب الفرض، و إلا كان تكليفاً بغير المقدور و هو مستحيل. و القدرة على الصلاة بوضوء متوقفة- بحسب الفرض- على أن يكون المكلف قد توضأ قبل الزوال، الأمر الذي يعني: أن الوضوء قبل الزوال أصبح دخيلًا في فعلية الوجوب، فيكون من مقدمات الوجوب.
و من المعلوم: أنّ المكلف غير مسئول عقلًا عن تحصيل مقدمات الوجوب؛ لأن المسئولية إنما تبدأ من حين يصبح الوجوب فعلياً، و الحال أنّه لا فعلية بدونها، فلا مسئولية، فبترك المكلف للوضوء سوف يحول دون اتصاف وجوب الصلاة بالفعلية بعد تحقق الزوال، و مع عدم الفعلية لا شيء في عهدة المكلف حتى يكون قد تورط في مخالفته، غاية الأمر، أنّ المكلّف بتركه للوضوء قبل الزوال قد حال دون اتصاف وجوب الصلاة بالفعلية، و لا محذور في أن يحول المكلف دون اتصاف الوجوب بالفعلية، و لكن المحذور في أن لا يمتثل الوجوب بعد أن يصبح فعلياً [١].
[١] هذا بحسب مقتضى القاعدة الأصولية، و لكن الأمر ليس كذلك من الناحية الفقهية، فقد تسالم الفقهاء على وجوب حفظ الماء قبل الوقت لمن يعلم أنه لا يجده بعد الوقت، بل قد أفتى البعض بلزوم تحصيل الماء قبل الوقت لو علم أنه لا يتمكن منه بعد الوقت.