البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٢ - اثبات الأمر الثاني من الأمور الثلاثة المتقدمة
ثانيها: إنّ الحذر الوارد في الآية في قوله: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، وقع غاية للإنذار الذي هو بدوره غاية للتفقه الذي هو بدوره أيضاً غاية للنفر، فيكون الحذر بدوره غاية للنفر، و حيث إنّ كلًا من: النفر، و الإنذار، و التفقه، واجب، فلا بدّ من أن يكون الحذر الذي هو غاية للنفر واجباً أيضاً؛ لأن غاية الواجب واجبة؛ إذ لا معنى لوجوب النفر مع أن الغاية التي من أجلها وجب النفر ليست واجبة.
إن قلت: كيف أثبتم أن النفر واجب مع أن الآية لم تقل: «انفروا» و إنّما قالت: فَلَوْلا نَفَرَ.
كان الجواب: إنّ النفر وقع مدخولًا لأداة التحضيض «لو لا»، و من الواضح: أن التحضيض يعني: الطلب الشديد، فيقتضي أن يكون مدخولها و هو النفر مطلوباً بشدّة، و معنى أن النفر مطلوب بشدة، هو وجوبه كما هو واضح، مع أن الإنذار في قوله: وَلِيُنْذِرُوا واجب بلا إشكال؛ لأن الفعل المضارع إذا دخلت عليه لام الأمر أفاد الأمر و الوجوب، و هذا يكفي لإثبات وجوب الحذر.
ثالثها: إنّه لو افترضنا وجوب النفر و الإنذار و مع ذلك لا يجب على السامع الحذر من قول المنذر، لكان الأمر بالإنذار لغواً حينئذ؛ إذ لا تبقى فائدة تذكر من وراء الإنذار إذا لم يجب الحذر.
و الفرق بين هذه الوجوه لإثبات وجوب الحذر، هو: إنّ الأول أثبته اعتماداً على وقوع الحذر موقع الترجي، و الثاني أثبته اعتماداً على دعوى الملازمة بين وجوب شيء و وجوب غايته، و الثالث أثبته بدعوى أنه لو لا وجوب الحذر لكان الأمر بالإنذار لغواً.
هذا كلّه لإثبات وجوب الحذر، و الذي كان هو الأمر الأول الذي يتوقف عليه الاستدلال.
اثبات الأمر الثاني من الأمور الثلاثة المتقدمة:
و أمّا اثبات الأمر الثاني، و هو: كون الحذر واجباً مطلقاً أفاد قول المنذر العلم أو لا، فذلك يتم عن طريق التمسك بنفس الوجوه التي تمّ بها إثبات وجوب الحذر؛ لأنه إذا تم إثبات