البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٩ - ثانياً عدم تمامية الاستدلال بناءً على اللحاظ الثاني
للوصف، خصوصاً في حالة ذكر الوصف من دون ذكر الموصوف كما في المقام؛ حيث إنّه اكتفى بذكر الوصف و جعله موضوعاً لوجوب التبيّن، حيث قال سبحانه و تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا، و لم يقل: «إن جاءكم مخبر فاسق ... إلخ»، فيكون على وزان قوله: «لا تكرم الفاسق»، فيكون ذلك أقرب إلى مفهوم اللقب، و قد تقدّم عدم دلالته على المفهوم [١].
ثانياً: عدم تمامية الاستدلال بناءً على اللحاظ الثاني
قوله (قدس) ص ٢٢٩: «و أما اللحاظ الثاني للاستدلال فجوابه ... إلخ».
و أمّا ما يتعلّق باللحاظ الثاني للاستدلال، فجوابه: إنّ التقريب المتقدّم، إنّما يتم لو كان وجوب التبيّن وجوباً نفسياً [٢]، و حينئذٍ، فلا يعقل جعله بملاك كون المخبر عادلًا كما تقدم ذلك، و أمّا لو كان وجوب التبيّن في الآية وجوباً إرشادياً إلى عدم الحجّية، و ليس حكماً تكليفياً مجعولًا، فسوف يكون ربطه بعنوان ما، كعنوان الفاسق أو العادل، مرجعه إلى أنّ ذلك العنوان لا يقتضي الحجّية، فعند ما يقول قائل مثلًا: «خبر الفاسق يجب التبيّن عنه»، أو: «خبر العادل يجب التبيّن عنه»، فهو بمثابة الإخبار عن أن كلًا من هذين العنوانين لا يكون موضوعاً للحجّية، فأي محذور في أن يكون خبر العادل موضوعاً لوجوب التبيّن بهذا المعنى؟ فكما لا محذور في أن يقول: «خبر العادل ليس بحجّة»، فكذا لا محذور في أن يقول: «خبر العادل يجب التبيّن عنه»، إذا عرفنا أن المراد من وجوب التبيّن هو الارشاد إلى عدم الحجّية، فتكون موضوعيته لوجوب التبيّن، مرجعها إلى عدم موضوعيّته للحجّية.
و منه، يظهر عدم تمامية الوجه الثاني للاستدلال بالآية على حجّية خبر العادل، نعم، الاستدلال بها على الوجه الأول- أي: بمفهوم الشرط- تام [٣].
[١] و هذا ما أجاب به المحقّق النائيني أيضاً، راجع: فوائد الأصول، المجلد الثاني (ج ٣)، ص ١٦٦
[٢] أي: كونه حكماً تكليفياً مجعولًا كغيره من الأحكام التكليفية الأخرى التي يحكم العقل بوجوب امتثالها و الخروج عن عهدتها، و هذا يقتضي من المكلف أن يتبين صدق الخبر الذي يأتي به الفاسق، و يفحص عنه و إن لم يكن يريد العمل به
[٣] هذا ما صرح به في الحلقة الثالثة، المجلد الأول، ص ٢٥٢، حيث قال: «و قد تلخص من استعراض أدلة الحجية أنّ الاستدلال بآية النبأ تام». و لكن ما جاء عنه في بحوث في علم الأصول، ج ٤، ص ٣٦٠، يخالف ذلك، حيث إنه قال: «و هكذا يظهر تمامية الإشكال على الآية بثبوت المانع، كما تم الإشكال عليها بعدم تمامية أصل المقتضي للمفهوم فيها».