البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٨٦ - الثمرة الثالثة التقديم في التزاحم لا يوجب السقوط رأساً بخلافه في التعارض
فإن تقديم أحد المتعارضين يوجب سقوط الآخر رأساً سواء اشتغل بامتثال ما وجب تقديمه أم لا [١].
و يترتب على هذه الثمرة، أنه لو تزاحمت عند المكلّف الصلاة مع واجب آخر أهم منها كإنقاذ الغريق، بحيث لو اشتغل بالإنقاذ لفاتته الصلاة في وقتها، و فرض أن المكلف قد اشتغل بالصلاة بدلًا من الإنقاذ، فإنّ صلاته في هذه الحالة تكون صحيحة؛ لأنه مأمور بها بالأمر الترتبي، و هو أمر ثابت فعلًا في حق من لم يشتغل فعلًا بامتثال الأهم- و هو الإنقاذ بحسب الفرض- نعم، يكون المكلف عاصياً من جهة الأمر بالإنقاذ، الذي هو مطلق بحسب الفرض لمكان أهميته، و هذه الثمرة إحدى نتائج تصحيح الأمرين بالضدين على وجه الترتب.
و أما لو أخذنا بوجهة نظر صاحب الكفاية الذي منع من توجه الأمرين بالضدين و لو على وجه الترتب، و ذهب إلى أن مجرد توجه الأمر بأحد الضدين يكون مانعاً من توجه الأمر بالضد الآخر، فسوف يصعب تصحيح الصلاة في الحالة المذكورة؛ إذ لا أمر بها؛ لفرض سقوط الأمر على هذا الوجه بمجرد توجه الأمر بالإنقاذ إلى المكلف، و من الواضح: أن الإتيان بفعل لا أمر به لا يقع صحيحاً و لا يعد امتثالًا؛ لأن الامتثال فرع الأمر كما هو واضح، فصحة هذه الصلاة فرع ثبوت الأمر بها، و لا أمر بها و لو على وجه
[١] و الوجه في ذلك، هو: أنّ المتعارضين يعلم بعدم ثبوتهما معاً بحيث لا يمكن افتراض ثبوت هذا التكليف مع افتراض ثبوت الآخر، الأمر الذي يعني بالضرورة أنّ ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر، فبتقديم أحدهما ينتفي التكليف الآخر لا محالة؛ لأنّ معنى التقديم، هو: أنّ الثابت هذا التكليف لا ذاك، و لا يوجد في البين إلا تكليف واحد، و هذا المعنى لا علاقة له- لا من قريب و لا من بعيد- بامتثال المكلّف لهذا التكليف أو عدم امتثاله.
و هذا بخلاف باب التزاحم؛ فإنّه يوجد عندنا تكليفان، غاية الأمر أنّ فعلية أحدهما- و هو المهم- منوطة بعدم الاشتغال بالآخر- و هو الأهم- و مجرّد افتراض أنّ هذا التكليف أو ذاك هو الأهم و تقديمه على غيره بمعنى عدم اشتراط فعليته بعدم الاشتغال بالمهم، لا يعني بأي وجه من الوجوه سقوط المهم؛ لأنه في ثبوته لم يكن منوطاً بعدم ثبوت الأهم، بل غاية ما في المقام أنّ فعليته منوطة بعدم الاشتغال بالأهم، فإذا لم يشتغل بالأهم و بنى على عصيانه، أصبح وجوب الأهم فعلياً، فسقوطه متوقف على الاشتغال بالأهم.