البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٧٣ - الأول استحالة الأمرين بالضدين و لو على وجه الترتب
نحو يكون الأمر بأحدهما مقيداً بعدم الاشتغال بامتثال الأمر بالآخر، و يسمى هذا النحو من التقييد المفترض بالترتب، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
الأول: استحالة الأمرين بالضدين و لو على وجه الترتب
و هذا القول هو الذي ذهب إليه صاحب الكفاية، مستدلًا له بأن المحذور الذي يلزم من الأمرين بالضدين- و الذي هو: عبارة عن: استحالة طلب الضدين لعدم قدرة المكلف على امتثالهما معاً- لا يمكن دفعه بمجرد الالتزام بالترتب و تقييد أحدهما بعدم امتثال الآخر؛ و ذلك أنّ المكلّف إذا كان بصدد عصيان أحد التكليفين، فإنه سوف يصبح كل من هذين التكليفين فعلياً بحقه و بالتالي، الرجوع إلى نفس المحذور الذي أردنا دفعه عن طريق الالتزام بالترتب.
و توضيح ذلك: لو فرض أنّ المكلف كان مأموراً بإنقاذ الغريق، و فرض أيضاً توجّه التكليف بالصلاة إليه على نحو الترتب، بمعنى: أن الأمر بالصلاة مقيد بعدم امتثال الأمر بالإنقاذ، فإنه في هذه الحالة، لو كان المكلّف بصدد عصيان الأمر بالإنقاذ و عدم امتثاله، فسوف يصبح كل من التكليفين فعلياً في حقّه، و هذا مستحيل؛ لأنه من طلب الضدين، أمّا بالنسبة لفعلية التكليف بالإنقاذ، فلأنّ فعليته غير مشروطة بعدم الاشتغال بامتثال الأمر بالصلاة بحسب الفرض، و مجرّد كونه بصدد عصيانه لا يوجب سقوطه عن الفعلية [١]. و أمّا بالنسبة إلى الأمر بالصلاة، فإنّه و إن كانت فعليته مشروطة بحيث لا يكون فعلياً إلّا بعد تحقق ذلك الشرط، و لكن حيث إنها مشروطة بحسب الفرض بعدم امتثال الأمر بالإنقاذ، و هو- أي: الشرط- قد تحقق فعلًا، فسوف يصبح فعلياً أيضاً؛ لفرض القدرة التكوينية على الفعل من جهة، و عدم الابتلاء بامتثال ضدّه الآخر من جهة أخرى.
و بهذا، يتبرهن أنّ الأمرين بالضدين بنحو تقييد أحدهما بعدم الاشتغال بضدّه الآخر- و هو المسمى بالترتب- لا يصحّح الأمر بهما، وعليه، فإنّ التكليف بأحد الضدين يكون بنفسه أي: بثبوته و بقطع النظر عن امتثاله أو عدم امتثاله- يكون نافياً للتكليف بالضد
[١] سيأتي في بحث لاحق أن العصيان ليس من مسقطات الحكم بمعنى الفعلية و إن كان مثل ذلك الحكم لا فاعلية له.