البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٦٨ - الثاني العجز بسبب الاشتغال بامتثال التكليف بالضد
الذي لا يكون متعلقه مقدوراً من جهة المانع الشرعي كالأمر بضدّه؟
التمييز بين ثلاثة أنحاء من العجز المقابل للقدرة:
اعلم أن العجز عن امتثال التكليف- المقابل للقدرة على امتثاله- يتصور على أنحاء ثلاثة:
الاول: العجز التكويني
قد يكون الإنسان أحياناً عاجزاً من الناحية التكوينية عن القيام بفعل من الأفعال، فالمشلول- مثلًا- عاجز عن القيام بأي فعل من الأفعال التي تتطلب منه القيام و الوقوف، و إن كان من الناحية التكوينية قادراً على الأفعال التي لا تتطلب منه القيام و الوقوف.
و القدرة التي تقابل العجز بهذا المعنى، هي: القدرة التكوينية على الفعل، و هو ما كنّا نقصده بالقدرة على متعلق التكليف في البحث عن استحالة التكليف بغير المقدور، و الذي يعني: اشتراط كون المكلّف قادراً من الناحية التكوينية على الإتيان بمتعلق التكليف لكي يصح الأمر به، فمن يعجز تكويناً عن القيام- كالمشلول مثلًا- لا يعقل تكليفه بما يشترط فيه القيام كالصلاة من قيام، فالقدرة المقابلة لهذا النحو من العجز، نسميها بالقدرة التكوينية، و هي ما حكم العقل باشتراطها في كل تكليف و تقييده بها، و حكم العقل بهذا المقدار من التقييد، ممّا لا إشكال و لا خلاف فيه كما تقدم [١].
الثاني: العجز بسبب الاشتغال بامتثال التكليف بالضد
إذا كان الإنسان مشتغلًا فعلًا بفعل من الأفعال فإنه لا يمكنه في نفس الوقت الإتيان
[١] و لم يخالف في ذلك إلا الأشعرية، حيث ذهبوا إلى جواز التكليف بما لا يطاق، و على رأسهم أبو الحسن الأشعري، حسب ما نقله عنه الآمدي في الاحكام، ج ١، ص ١٣٣ حيث قال:) اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز التكليف بما لا يطاق نفياً و إثباتاً، و ذلك كالجمع بين الضدين، و قلب الأجناس، و إيجاد القديم و إعدامه، و نحوه، و ميله في أكثر أقواله إلى الجواز».
و قال أيضاً في ص ١٣٧ من نفس الكتاب:) و أمّا الطرف الثاني: و هو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره، فقد احتج الأصحاب عليه بالنص و المعقول: أمّا النص، فقوله تعالى: (ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، سألوا دفع التكليف بما لا يطاق. و لو كان ذلك ممتنعاً، لكان مندفعاً بنفسه، و لم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة».