البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٥٠ - وقوع البحث في جهتين
إن قلت: سلّمنا أنه في صورة العلم يكون مداناً بلا إشكال، و لكن، في الصورة الأولى، حيث إنّ القدرة الحدوثية كافية لإدخال التكليف في العهدة و ثبوت المسئوليّة، و هي موجودة في هذه الصورة، فالمفروض أن نقول بثبوت الإدانة أيضاً، فما هو الوجه في هذا التفصيل؟
كان الجواب: إن الملاك في ثبوت الإدانة عند مخالفة التكليف، هو: القدرة على الامتثال مع فرض لزوم الامتثال في هذا الوقت أو ذاك، و إلا، فلو كان قادراً على الامتثال مع عدم لزومه أصلًا في خصوص هذا الوقت، فلا إدانة، و هذا واضح، و المكلف الذي فاجأه المعجّز، إذا كان يعلم بطروّه، فإنّه سوف يكون ملزماً بامتثاله خلال الوقت الممتد من حين توجه التكليف و حدوثه إلى غاية طروّ المعجّز، و هو يعلم أنه ليس لديه غير هذا الوقت، فلو لم يمتثل، استحق العقاب و الإدانة، و هذا بخلاف من لم يعلم بطروّ المعجّز؛ فإنه لا يلزمه الامتثال في هذا الوقت و إن كان قادراً عليه، لأنه كان يعتقد بأن وقت صلاته يمتد من حين الزوال إلى ما قبل الغروب بمقدار العصر، و كان بإمكانه التأخير إلى آخر الوقت، وعليه، فلا يستحق العقاب و الإدانة [١].
الاضطرار بسوء الاختيار:
قوله ص ٣٠٧: «و على ضوء ما تقدّم يقال عادةً ... الخ».
وقوع البحث في جهتين:
المقصود بالاضطرار بسوء الاختيار، هو: اضطرار المكلف إلى ترك امتثال التكليف، لعدم
[١] إن قلت: إذا كان الأمر كذلك، فما هو الفرق بين هذه الصورة و صورة إراقة الماء بعد دخول الوقت و الحال إنّه لا يلزمه الامتثال في الوقت الذي أراق فيه الماء كما لو كان ذلك في أوّل الوقت؟
كان الجواب: إنّ الفرق بين صورة إراقة الماء و صورة عدم العلم بطرو المعجّز، يكمن في أنه في الصورة الأولى، حيث أنّ المكلّف يعلم بعدم وجود ماء غيره، فسوف يكون قد تعمّد مخالفة التكليف، فيكون عاصياً، فيستحق العقوبة بسبب عصيانه، و يكون حاله حال من تعمّد عدم الصلاة في أول الوقت مع علمه بأنه لا يقدر على الماء في آخر الوقت، بل حال من تعمّد عدم الامتثال إلى أن انتهى الوقت، غاية الأمر، أنّ الوقت المضروب للصلاة في الحالة الأولى أمده ينتهي بزمان الاراقة أو زمان العلم بعدم التمكن من الماء، و الفرق بين الحالتين، هو: أنّ النحو الأول من العصيان- أي: بالسبب الأول- يكون بعدم التحرك نحو امتثال التكليف مع توفر كل ما يمكن معه أداء التكليف، و أمّا النحو الثاني من العصيان، فإنه يكون بالتحرك نحو إعدام ما يمكن معه ايقاع التكليف أداءً، و على كليهما يستحق الادانة.