البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٤٦ - أسباب زوال القدرة
الأول: العصيان
السبب الأول من أسباب زوال القدرة على الامتثال بعد فرض وجودها حين توجه التكليف هو العصيان، و الذي هو عبارة عن: تعمّد مخالفة التكليف و عدم امتثاله، و هو في مقابل امتثال التكليف؛ فإنّه بعد أن يتوجه التكليف إلى المكلف، يحكم العقل بلزوم امتثاله و الخروج عن عهدته، فإن لم يمتثل المكلف التكليف و تعمّد مخالفته [١]، كان عاصياً، و سوف يعجز المكلف بسبب العصيان عن امتثال التكليف بعد أن كان قادراً على امتثاله حين توجهه.
فالعصيان إذن من الأسباب الموجبة لارتفاع القدرة على الامتثال، و المناط في تحقق العصيان، هو: تعمد مخالفة التكليف و عدم امتثاله بعد فرض فعليته [٢] على نحو لم يبق من الوقت ما يمكن معه الاتيان بمتعلق التكليف، و هذا يختلف بحسب نوع التكليف، من حيث كونه مضيقاً و فورياً، أو موسعاً [٣]، سواء كان له أمد ينتهي معه أم لا؛ فإن من التكاليف ما هو مضيق و فوري، بحيث يتعين امتثاله في أوّل زمان توجّه التكليف و حدوثه، كصوم شهر رمضان، فإنّ عصيانه يتحقق بمجرّد تعمّد عدم الصوم و لو في الآن الأوّل من آنات بدء التكليف و حدوثه، و منها ما هو موسع، بحيث يجوز للمكلف تأخير الامتثال إلى وقت آخر غير الوقت الذي بدأ به التكليف، كصلاة الظهر- مثلًا- فإن عصيانها لا يتحقق إلا بعد انتهاء تمام وقتها و انقضائه، فإن التكليف بها و إن كان موسعاً، و لكن لا مطلقاً، بل لهُ أمد ينتهي بما قبل الغروب بوقت لا يسع إلّا لصلاة العصر، فمن
[١] ينبغي الالتفات إلى أنّه ليس مطلق مخالفة التكليف و عدم امتثاله يعد عصياناً، فلربّما حصلت المخالفة من دون تعمّد، فلا يكون ذلك عصياناً؛ فإنّ العصيان عبارة عن تعمّد المخالفة لا مطلق وقوع المخالفة
[٢] و أمّا مع عدم فعليته، فلا موضوع للعصيان كما هو واضح، حتى لو فرض دخول الوقت و خروجه، كما لو استوعب النوم تمام الوقت
[٣] اعلم أن الواجب المؤقت بوقت، تارة يكون مضيقاً و أخرى يكون موسعاً، و يقصد بالأول كون الوقت المضروب للفعل الواجب مساوياً للوقت الذي يستغرقه إيقاع ذلك الفعل، كالصوم، فإنه واجب من حين الفجر إلى الغروب، و يقصد بالثاني كون الوقت المضروب للفعل الواجب أوسع من الوقت الذي يستغرقه إيقاع ذلك الفعل الواجب، كصلاة الظهر مثلًا؛ فإن وقتها يمتد من حين الزوال إلى ما قبل الغروب بمقدار أداء صلاة العصر، و الحال أن زمان ايقاعها لا يستغرق إلا بعض هذا الوقت.