البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٣٥ - القدرة الشرعية و القدرة العقلية
للملاك و إن لم يكن مقدوراً للمكلف، و من المعلوم: أنه لا دخل للعقل في تحديد ذلك لا إيجاباً و لا سلباً [١] فبالإمكان أن يكون الفعل واجداً للمصلحة و متّصفاً بكونه ذا مصلحة إذا كان المكلّف قادراً عليه، فتكون القدرة شرطاً في الملاك، و من الممكن أيضاً أن يكون الفعل واجداً للملاك، سواء كان مقدوراً للمكلّف أم لا، و كلا الأمرين ممكن من الناحية النظرية و الثبوتية، وعليه، فليس من الضروري أن تكون القدرة شرطاً في الملاك، بل يمكن الأول، كما يمكن الثاني، فالفعل قد يكون اتّصافه بالمصلحة فيما إذا صدر من مكلّف قادر على الفعل، و يمكن أن يكون متّصفاً بالمصلحة حتى لو صدر من العاجز.
القدرة الشرعية و القدرة العقلية:
إذا كانت القدرة شرطاً في اتّصاف الفعل بالمصلحة و وجود الملاك على نحو ينتفي الملاك بانتفائها، سميّت حينئذ بالقدرة الشرعيّة، و يقال حينئذ بأنّ دخل القدرة في التكليف شرعي، و أما إذا كانت بحيث لو صدر الفعل من العاجز كان واجداً للمصلحة و الملاك أيضاً، سميّت حينئذ بالقدرة العقليّة [٢]، و يقال في هذه الحالة بأنّ دخل القدرة في التكليف عقلي.
و هذا لا يعني أن التكليف ثابت في حق العاجز في الصورة الثانية دون الأولى، بل التكليف منتفٍ عن العاجز في الحالتين كما سوف يتبيّن ذلك إن شاء الله، غاية الأمر، أن انتفاءه في الصورة الأولى إنما هو لعدم الملاك رأساً، و يكون من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع؛ فإنّ انتفاء التكليف عن المكلّف العاجز في هذه الصورة إنّما هو لعدم موضوعه؛ لأنّه بحسب الفرض المكلّف القادر، و في الصورة الثانية لمانع في البين مع فرض تحقق موضوعه؛ لأنه بحسب الفرض المكلّف الأعم من كونه قادراً أو عاجزاً، و المانع هو عبارة عن: عجز المكلّف عن استيفاء الملاك مع ثبوته في حقه.
فالانتفاء في الصورة الأولى شرعي قبل أن يكون عقلياً؛ لأن الشارع قد أخذ القدرة
شرطاً في الملاك، و في المقام هو غير قادر، فلا ملاك، فلا تكليف، و في الثانية عقلي؛ لأنه عاجز
[١] و الوجه في ذلك هو: إن تحديد كون الفعل واجداً للمصلحة المقتضية لجعل الحكم على طبقها أو لا، إنما هو بنظر نفس جاعل الحكم، فقد يعتبر شيئاً معيناً دخيلًا في ذلك و قد لا يعتبره بحسب ما يراه هو.
[٢] و يترتب على هذا الفرق بين القدرة الشرعية و القدرة العقلية، أن القدرة إذا أخذت بلسان الدليل كقيد أو شرط، استكشفنا أنها دخيلة في ملاك الحكم.