البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٣٤ - المورد الثاني شرطية القدرة في مرتبة الملاك
و مع عدمها لا عقاب، و لا إدانة، و لا مسئوليّة، فالإدانة إذن فرع المسئوليّة، و المسئوليّة فرع ثبوت حقّ الطاعة، و مع عدم القدرة على الفعل فلا حق طاعة، فلا مسئوليّة، فلا إدانة، و هذا مما لا خلاف فيه، فالقدرة إذن شرطٌ في مرحلة الإدانة و المسئوليّة، و يقبح على المولى عقلًا معاقبة المكلّف على مخالفة تكليف غير مقدور له و خارجٌ عن اختياره.
المورد الثاني: شرطية القدرة في مرتبة الملاك
قوله (قدس) ص ٣٠٣: «كما أنّ مرتبتي الملاك و الشوق ... الخ».
تقدم في بحوث سابقة أن الأحكام الشرعية تابعة لملاكات كامنة في متعلّقاتها المأمور بها أو المنهي عنها، و أن تلك الملاكات هي عبارة عن المصالح و المفاسد في متعلّقات تلك الأحكام، فإيجاب الصلاة مثلًا يكشف عن وجود مصلحة في فعل الصلاة و إن كانت هذه المصلحة عائدة إلى نفس المكلّف، و تحريم شرب الخمر يكشف عن مفسدة فيه و إضرار بالمكلّف نفسه، و لذلك نجد الشارع يأمر بالفعل في الحالة الأولى و ينهى عنه في الحالة الثانية، فملاك الوجوب عبارة عن المصلحة الكامنة في الفعل، و ملاك الحرمة عبارة عن المفسدة الكامنة فيه [١].
فيقع الكلام في شرطيّة القدرة في الملاك و عدمها، و معنى شرطيّة القدرة في الملاك في الوجوب مثلًا، هو: كون القدرة على متعلق الحكم شرطاً في اتصاف الفعل بالمصلحة المقتضية للإيجاب، بحيث لولاها لما اتصف الفعل بالمصلحة، و لا كان واجداً للملاك، و معنى عدم شرطيتها، هو: كون الفعل متصفاً بالمصلحة المقتضية و واجداً
[١] ينبغي الالتفات إلى أنّ ما نقصده بالملاك ليس هو مطلق المصالح و المفاسد الكامنة في الأفعال؛ فإنّ مجرّد وجود المصلحة في الفعل المعيّن لا يعني بالضرورة كونها مقتضية لجعل حكم بالوجوب على طبقها؛ لأنّ هذا مشروط بعدم وجود مزاحم لتلك المصلحة، من مفسدة مساوية لتلك المصلحة أو غالبة عليها، و كذلك الحال في طرف المفسدة، بل المقصود بكون المصلحة ملاكاً للوجوب كونها مقتضية لجعل الحكم بالوجوب على طبقها بعد الكسر و الانكسار، و غلبة تلك المصلحة على المفسدة بنظر المولى؛ فإن أغلب الأفعال مما يجتمع فيه المصلحة و المفسدة كما هو واضح، و الكلام نفسه ينطبق على ملاك الحرمة، و الذي هو عبارة عن المفسدة الغالبة.