البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢١٣ - مدى أصولية البحث الصغروي في الدليل العقلي
القول بإدراك العقل لنكتة تقتضي الإجزاء، و هذه القضايا بقسميها، تارة: تكون من العناصر المشتركة في العملية الاستنباطية، أي: لا تختص بباب من أبواب الفقه دون باب، و أخرى: تشكل عنصراً خاصاً لا يدخل في جميع العمليات الاستنباطية في علم الفقه، بل يختص بمورده فقط، و يستنبط منه حكم شرعي خاص بهذا المورد.
و من خلال تعريف علم الأصول بأنه العلم بالعناصر المشتركة التي تقع في طريق استنباط جعل شرعي، و معرفتنا بموضوعه، و الذي هو عبارة عن: كل ما يترقب أن يكون دليلًا و عنصراً مشتركاً في العملية الاستنباطية، يتضح أن ما هو داخل في المسائل الأصولية، هو: خصوص العناصر المشتركة، لا العناصر الخاصة، و البحث الأصولي يدور دائماً حول دليليّة و حجية تلك العناصر المشتركة.
و بناء على ما تقدم، نخرج بهذه النتيجة، و هي: إنّ كل قضية عقلية يدركها العقل و تعتبر عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط، يكون البحث عنها أصولياً، و تكون داخلة في مسائل علم الأصول، فيدخل في ذلك البحث عن كل الملازمات العقلية، كالملازمة بين وجوب شيء و وجوب مقدمته، و الملازمة بين الأمر بالشيء و النهي عن ضده، و الملازمة بين حكم العقل و حكم الشارع، و كذلك البحث عن استحالة التكليف بغير المقدور، أو ضرورة ثبوت شيء؛ حيث إن كل هذه القضايا تشكل عناصر مشتركة.
و أما القضايا العقلية التي تشكل عناصر خاصة، فلا يكون البحث عنها أصولياً، بل يبحث عنها في العلوم الخاصة بها، و نحن نأخذها مسلمة من ذلك العلم، و البحث عنها في علم الأصول أحياناً إنما هو بحث استطرادي، لأجل بيان مدى صحتها أو عدم صحتها، فمثلًا: إدراك العقل لحسن الصدق و قبح الكذب [١]، لا شك أنه يقع في طريق
[١] هذا هو المقصود من العنصر الخاص في المثال المذكور، و ليس هو حكم العقل بحرمة الكذب كما ورد في كلمات الاستاذ الفاضل سماحة الشيخ الإيرواني حفظه الله في شرحه للحلقة الثالثة، ج ٢، ص ١٩٨، حيث قال: «و بعضها الآخر لا يشكل عنصراً مشتركاً، بل يختص باستنباط حكم شرعي واحد، كحكم العقل بحرمة الكذب»؛ فإنّ حكم العقل بحرمة الكذب ليس هو نفس القضية العقلية، بل هو مستنبط منها، و إنما القضية العقلية التي يستنبط منها هذا الحكم، و التي تعتبر عنصراً خاصاً، هي: عبارة عن: حكم العقل بقبح الكذب، و التي تقع صغرى لكبرى الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع.