البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٨٤ - الخلط بين الظهور و الحجّية
المجال الثاني؛ لأنّ المناط في العمل بالظهور في المجال الأوّل، هو: كاشفيته عن المراد لدى نفس العامل به، فمن الطبيعي أن يكون منوطاً بحصول الظن الفعلي له، و هذا بخلاف المجال الثاني؛ فإنّ المناط في العمل بالظهور، هو: كاشفيته لدى نفس الآمر، الموجبة لشدّة اهتمامه، و التي تدعو إلى جعل الحجّية.
فالصحيح إذن هو أن الظهور حجة مطلقاً، من دون فرق بين ظواهر القرآن و غيره، و لا بين من قصد إفهامه و غيره، و لا بين من حصل له الظن الفعلي بالوفاق و غيره.
الخلط بين الظهور و الحجّية:
قوله (قدس) ص ٢٨٨: «اتضح مما تقدم أن مرتبة الظهور ... الخ».
الغرض من عقد هذا البحث، هو: بيان دور القرينة المنفصلة بالنسبة إلى الظهور التصديقي الذي يكون موضوعاً للحجّية، و مدى تأثيرها على ذلك، و هذا، و إن كان قد تقدّم التعرّض له بنحو الاختصار عند البحث عن تشخيص موضوع الحجّية، و لكن نريد هنا أن نبيّن ما ورد في كلمات المحقق النائيني (قدس) الذي يكون بظاهره خلطاً بين الظهور و الحجّية [١]، و قبل التعرّض إلى ذلك، و بيان وجه الخلط في كلماته، لا بدّ من الرجوع قليلًا إلى أقسام الدلالة، و مدى تأثير القرينة المتصلة أو المنفصلة على كل واحد من تلك الأقسام، فنقول:
إن للكلام الصادر من أي متكلّم عاقل ملتفت جاد ثلاثة أقسام من الدلالة و الظهور:
١- مرتبة الظهور التصوري و الدلالة التصورية، و هي عبارة عن خطور المعنى في ذهن السامع عند سماعه للفظ، و هذه المرتبة من الظهور متقوّمة بالوضع بشرط العلم به؛ لأنّ الوضع لوحده لا يكفي لتحقق ذلك الانسباق و الظهور ما لم يكن السامع عالماً بالوضع كما هو واضح، و هذا يعني: أنّه لا يوجد أي أثر و لا دور للقرينة المتصلة أو المنفصلة على هذه المرتبة من الظهور، فيبقى الظهور محفوظاً حتى في حالة قيام القرينة المتصلة على الخلاف فضلًا عن احتمالها.
٢- مرتبة الظهور التصديقي بلحاظ الدلالة التصديقية الأولى، الكاشف عن المراد الاستعمالي، و أنّ المتكلم كان قاصداً لإخطار تلك المعاني في الذهن، و هذه المرتبة
[١] راجع: فوائد الأصول، المجلد الثالث (ج ٤)، ص ٧١٦.