البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٨٢ - اعتراض السيّد الشهيد (قدس) على التفصيل المتقدّم
الذي صدر منه، فتارة يلحظها بنظرة تفصيلية، بمعنى أنه يلحظ ظاهر كلامه الأوّل، و يرى أنّه
مراد له أو غير مراد، و يلحظ ظاهر كلامه الثاني، و يرى أيضاً إنّه مراد له أو غير مراد، و يلحظ ظاهر كلامه الثالث، و يرى أنّه مراد له أو غير مراد، و هكذا، بحيث ينظر إلى كل ظاهر من ظواهر كلامه بنظرة تفصيلية، فهنا يستطيع أن يميز بصورة جازمة و قاطعة بين ما هو مراد له من الظاهر، و ما هو غير مراد له، فيجد مثلًا أن الظاهر من كلامه الأوّل هو المراد له، و الظاهر من كلامه الثاني غير مراد له، بل المراد ما كان خلاف ظاهره، و هكذا، لأنّه أعرف بمراده.
و تارة أخرى يلحظ ظواهر كلامه بنظرة اجماليّة من دون أن ينظر إلى هذا الظاهر بالخصوص أو إلى ذلك الظاهر بالخصوص، بل ينظر إليها بمجموعها، فإن وجد أن الغالب فيها هو إرادة المعنى الظاهر، و أن أغلب الظواهر مطابق للواقع، فإنّه سوف يجعل تلك الغلبة كاشفاً ظنّياً عنده عن إرادة المعنى الظاهر في كل كلام صدر منه، و هذا الكاشف الظني عند المولى عن إرادة المعنى الظاهر هو الملاك في جعل الحجّية للظهور؛ و ذلك لأنّ الظهور أمارة ظنّية على المراد الواقعي، و الحجّية المجعولة لتلك الامارة حكم ظاهري يُراد به حفظ الاغراض الواقعية الأكثر أهمّية من غيرها، و قد تقدّم أن الأحكام الظاهرية المجعولة في باب الأمارات تكون بلحاظ أهمّية الاحتمال و غلبة مصادفته للواقع [١]، و حيث إنّ الغالب من تلك الظواهر مطابق للواقع فهذا يعني أنّ احتمال مصادفة تلك الظواهر للواقع أقوى من احتمال مخالفتها له، فتجعل الحجّية للظهور وفقاً لقوة احتمال المصادفة و غلبتها [٢].
[١] و ليس دقيقاً ما عبر به الشيخ الايرواني حفظه الله في شرح الحلقة الثالثة، في الجزء الثاني، ص ١٧٩، حيث قال: «إن حجية الظهور أمارة و ليست أصلًا؛ لأن الحجية تثبت للظهور من جهة قوة كاشفيته عن المراد، و قد تقدم أن كل حكم ظاهري ينشأ من قوة الكاشفية هو أمارة، و ليس أصلًا».
و الوجه في عدم دقة ذلك، هو: أن الامارة عبارة عن الظهور، و أما نفس الحجية، فلا يطلق عليها أنها أمارة كما هو واضح. فالتعبير الدقيق هو أن يقال: إنّ الأحكام الظاهرية المجعولة في مورد إن كان جعلها في ذلك المورد لأجل قوة كاشفيتها، و غلبة مصادفتها للواقع، سمي ذلك المورد أمارة، و الحجية حكم مجعول لتلك الأمارة، لا أنها بنفسها هي أمارة.
و يؤيد ما ذكرناه قول السيد الشهيد في القسم الأول من الحلقة الثالثة، ص ٣٢: «و يسمى الطريق بالامارة، و يسمى الحكم الظاهري بالحجية، من قبيل حجية خبر الثقة».
[٢] و لتوضيح ذلك أكثر، نفترض أن ما صدر من المولى فيما كان له ظاهر عبارة عن خمسة أقوال:
الأوّل: قوله: «اقم الصلاة»، الثاني: قوله: «أدع عند رؤية الهلال»، الثالث: قوله: «اكرم العالم»، الرابع: قوله: «لا تشرب الخمر»، الخامس: قوله: «لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا».
فقوله الأوّل ظاهر في وجوب الصلاة، و يمكن أن يريد به الاستحباب، و الثاني ظاهر في وجوب الدعاء، و يمكن أن يريد به الاستحباب، و الثالث ظاهر في وجوب اكرام مطلق العالم، و يمكن أن يريد به وجوب اكرام خصوص العادل، و الرابع ظاهر في حرمة شرب الخمر، و يمكن أن يريد به الكراهة، و الخامس ظاهر في وجوب الحج، و يمكن أن يريد به الاستحباب.
فلو لاحظ المولى ظواهر كلامه في اقواله المتقدّمة بنظرة تفصيلية، كان له أن يحدّد لنا بصورة جازمة ما هو المراد من الظاهر منها و ما ليس بمراد؛ لانّه عالم بمراده، فيرى مثلًا أن قوله الأوّل ظاهر في الوجوب و هو المراد له فعلًا، و يرى أن قوله الثاني ظاهر في الوجوب أيضاً، و لكن لم يكن مراده الوجوب، بل كان مراده استحباب الدعاء عند رؤية الهلال، و يرى أن قوله الثالث ظاهر في وجوب اكرام مطلق العالم، و لكن ذلك ليس بمراد له، و إنّما مراده وجوب اكرام خصوص العالم العادل، و يرى أن قوله الرابع ظاهر في الحرمة، و هي مرادة له، و إن قوله الخامس ظاهر في الوجوب، و هو مراد له، و هكذا.
كما أنه لو لاحظها بنظرة اجمالية، لوجد أن أغلب تلك الظواهر مرادة له، فيجعل الحجّية لظاهر كل كلام قد صدر منه؛ حفظاً لما هو الأهم من أغراضه الواقعية، بملاك تلك الغلبة و قوة احتمال المصادفة للواقع؛ لأنّ حفظ ثلاثة أغراض واقعية- و هي بحسب المثال المتقدم عبارة عن: الغرض الأوّل، و الغرض الرابع، و الغرض الخامس- أهم عند المولى من حفظ غرضين واقعين، و هما: الغرض الثاني، و الغرض الثالث، بحيث يؤدي حفظهما إلى ضياع ثلاثة أغراض واقعية.