البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٤ - دلالة الآية على حجية خبر العادل على الاحتمال الثالث
و الثاني: عدم جواز العمل بخبره حتى مع التبيّن.
و الوجه في ذلك، هو: إنّ نفي كون التبيّن شرطاً للعمل بخبر العادل، يلائم بذاته كلا الأمرين المتقدّمين؛ لأنه في كليهما، يعني: أن التبيّن ليس شرطاً، و معنى انتفاء شرطية التبيّن على الأول واضح، و نتيجته ثبوت الحجية لخبر العادل، و معناه على الثاني، هو: أن العمل بخبر العادل لا يجوز و لا يصح، سواء تبيّنت عن حاله أم لا، و نتيجته عدم حجية خبر العادل، و لكن الاحتمال الثاني باطل، و لا يمكن المصير إليه؛ لأمرين:
الأول: لأنه سوف يجعل خبر العادل أسوأ حالًا من خبر الفاسق [١]؛ لأن خبر الفاسق يجوز العمل به مع التبيّن، و أما خبر العادل، فلا يجوز العمل به سواء تبيّن عنه أم لا، و هذا غير معقول [٢].
[١] قال العلامة الحلي في مختلف الشيعة، ج ٢، ص ٦٦: «أمر بالتثبت عند مجيء الفاسق بالنبإ فينتفي التثبت عند انتفاء الفسق، و ذلك يوجب العمل بقول العدل، و إلا لكان حاله أسوأ من الفاسق»، و قال المحقق العراقي في نهاية الأفكار، ج ٢، ص ١٠٧: «و لازمه: انتفاء الحكم بسنخه عند انتفاء الشرط، فيترتب عليه وجوب القبول بدون التبين عند مجيء العادل به؛ إذ لو ردّ حينئذ، يلزم أسوئية العادل من الفاسق»
[٢] و لكن الشيخ الأنصاري ذهب إلى عدم الاحتياج إلى هذه المقدمة لاثبات المطلوب، حيث قال: «بعدم الاحتياج إلى ضم مقدمة الأسوئية، و تمامية الاستدلال بدونها؛ لابتناء الاحتياج المزبور على كون التبين في الآية واجباً نفسياً في خبر الفاسق، و إلّا، فبناء على كونه واجباً شرطياً في جواز العمل بقول الفاسق، فلا يحتاج إلى الضميمة المذكورة؛ من جهة تمامية الاستدلال بدونها أيضاً؛ لأنّ مفاد المنطوق على هذا، هو: وجوب التبين و شرطيته في العمل بقول الفاسق، و مفاد المفهوم فيها، هو: انتفاء وجوب التبين في العمل بقول العادل، و لا ريب في ظهور الآية في نفسها، خصوصاً بملاحظة التعليل الواقع في الذيل، في الوجوب الشرطي لا الوجوب النفسي؛ لأنّه مع بعده في نفسه، لا يكاد يناسب مع التعليل».
و اعترض عليه المحقق العراقي بقوله: «و لكن، فيه: أن التبين في الآية المباركة، إمّا أن يكون بمعنى تحصيل العلم الوجداني، و إمّا أن يكون بالمعنى الأعم، الشامل للوثوق و الاطمينان، و على الأول، لا معنى لشرطية التبين للعمل بخبر الفاسق؛ إذ مع حصول العلم، يكون العمل لا محالة بالعلم لا بالخبر، فمفاد المنطوق على هذا، هو: إلغاء خبر الفاسق بالمرة، و لزوم تحصيل العلم بالواقع عند إرادة العمل، و حيث كان الوجوب فيه عقلياً، كان الأمر بالتبين إرشادياً محضاً، لا نفسياً، و لا شرطياً، و على ذلك، تحتاج إلى مقدمة الأسوئية؛ ببيان: إنّ عدم وجوب التبين عن خبر العادل، إمّا أن يكون من جهة القطع بكذبه، فيكون أسوأ حالًا، و إمّا أن يكون لحجيته، و هو المطلوب، و أمّا على الثاني، فما أفيد من استفادة الوجوب الشرطي للتبين من الآية في العمل بخبر الفاسق و إن كان وجيهاً، و لكن هذا المقدار لا يجدى في نفي الاحتياج إلى مقدمة الأسوئية، إلّا في فرض أن تكون الآية ناظرة إلى مجرد اثبات الشرطية، فارغاً عن أصل وجوب العمل بالخبر، و أمّا في فرض كونها ناظرة إلى وجوبه مقدمة للعمل بخبر الفاسق، فلا تقتضي عدم الحاجة إلى المقدمة المزبورة؛ فإن مرجع الوجوب المزبور بعد كونه إلى الوجوب الغيرى للعمل، فنفيه في طرف المفهوم، كما يناسب مع نفي شرطية التبين، كذلك يناسب مع نفي أصل وجوب العمل، أو جوازه، فلا يتعين الأول إلّا بضم مقدمة الأسوئية، و بالجملة نقول: إنه بعد ابطال الوجوب النفسي للتبين، لا ينحصر الأمر في الوجوب الشرطي، بل كما يحتمل كونه وجوباً شرطياً، كذلك يحتمل كونه وجوباً غيرياً مقدمياً للعمل بخبر الفاسق الموثق، و مع دوران الأمر بينهما، يتعين الثاني؛ فإنه على الأول، لا بد من رفع اليد عن ظهور الأمر في المولوية، و حمله على الارشاد إلى شرطية التبين، التي هي الوضع، بخلاف الثاني؛ فإنه عليه، يبقى ظهور الأمر في المولوية بحاله، وعليه، لا محيص عن مقدمة الأسوئية». راجع: نهاية الأفكار، ج ٢، ص ١٠٨.