البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٢٢ - القسم الأوّل الدليل الشرعي الذي يكون مدلوله مجملًا
القسم الأوّل: الدليل الشرعي الذي يكون مدلوله مجملًا
و هو: كل دليل يكون مدلوله مردّداً بين أمرين، أو أمور، كلّها متكافئة في نسبتها إلى ذلك الدليل، بحيث يكون احتمال إرادة الأمر الأوّل منه على حدّ احتمال إرادة الأمر الثاني، أو الثالث منه و هكذا، من دون أن يوجد في الدليل ما يعيّن إرادة أحدها دون الآخر، فمثل هذا الدليل يطلق عليه ب- (المجمل) [١]، من حيث تعيين المراد منه، كما في قوله تعالى في سورة البقرة الآية ٢٢٨: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، فإنه مجمل من ناحية تحديد مقدار العدة بالنسبة للمطلقة؛ و ذلك للاجمال في تحديد المراد من لفظ: (القرء) الوارد في الآية الكريمة؛ لتردده بين معنيين: أحدهما: الحيض، و الآخر: الطهر بمعنى النقاء من الدم، من دون ترجيح أحدهما على الآخر من ناحية الدليل، أو اللفظ [٢].
[١] إن اجمال الدليل، تارة يكون لأجل اجمال نفس اللفظ الوارد فيه، كقوله: «ائتني بعين»، حيث إنّ المراد من لفظ العين مردد بين عدّة معان، جميعها متساوية النسبة إلى اللفظ؛ فإن هذا يؤدي إلى اجمال الدليل.
و أخرى يكون اجماله لأجل اجمال مجموع الدلالة الحاصلة من مجموع الألفاظ الواردة فيه و إن لم يكن في الفاظ الدليل من حيث هي الفاظ أي تردد و اجمال؛ كما ورد ذلك في موثقة سماعة حيث قال: «سأل رجل أبا عبد الله و أنا حاضر، قال: إني رجل أبيع العذرة، فما تقول؟ قال: حرام بيعها، و ثمنها، و قال: لا بأس ببيع العذرة». فألفاظ الرواية كل لفظ لفظ واضح في معناه، و لا اجمال فيه، لكن مجموع دلالة الدليل مجملة؛ لاشتمالها على التناقض، و كلا هذين القسمين داخل في بحث المجمل.
و الفرق بين الحالتين، هو: أن الدليل في الأوّل، يخرج عن كونه مجملًا في حالة وجود قرينة حالية أو مقالية تعيّن المراد منه مع بقاء اللفظ على اجماله، و يطلق على الأوّل اسم: المجمل بالذات، و على الثاني اسم: المجمل بالعرض، و هذا ما أشار إليه السيد الشهيد في بحوث في علم الأصول، ج ٣، ص ٤٤٤ حيث جاء عنه ما ملخصه: «إن المجمل و هو ما ليس له معنى ظاهر يمكن العمل به، و يكون على قسمين:
١- المجمل بالذات: و هو ما ليس له معنى ظاهر في نفسه، من قبيل: اجمال كلمة: الرطل، و ترددها بين المكي، و العراقي.
٢- المجمل بالعرض: ما كان له معنى ظاهر في نفسه لغةً و عرفاً، و لكن جاء ما يدل على عدم إرادته، فتعذر العمل بظاهره، فأصبح المراد منه مجملًا، من قبيل: أن يرد مطلق، ثم يأتي مقيّد على خلافه، أو يرد عام، ثم يأتي خاص على خلافه».
[٢] هذا بالنظر إلى نفس الدليل و ما يرتبط به من ألفاظ و بقطع النظر عمّا يحيط به من قرائن، و أمّا بالنظر إلى ما يكتنفه من قرائن و لو منفصلة فقد لا يكون مجملًا كما لو جاءت قرينة تعيّن المراد من اللفظ.