البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١١ - أربعة احتمالات بالنسبة إلى مفاد روايات (مَن بلغ)
الاستحباب؛ باعتبار أن البلوغ من العناوين الثانوية التي تطرأ على الفعل و توجب اتصافه بالمصلحة، و لو كان الفعل بقطع النظر عن بلوغ الثواب عليه للمكلّف غير متصف بتلك المصلحة، فيكون حال البلوغ حال العناوين الأخرى المغيرة لجهة الحسن و القبح في الأفعال.
و بعبارة أُخرى: إن الفعل بعنوانه الأولي و بما هو هو لا يتّصف بالمصلحة، فلا يكون مستحباً، و بعنوانه الثانوي، و من حيث أنّه قد بلغ عليه الثواب يتّصف بالمصلحة و يكون مستحباً.
الثالث: أن تكون هذه الروايات في مقام الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط، و أنّ المحتاط مستحق للثواب، حيث إنّ المكلّف إذا احتمل الثواب على فعل ما، حكم العقل بحسن الاتيان به احتياطاً و رجاءً للحصول على ذلك الثواب، فلعلّ تلك الروايات تشير إلى هذا المعنى [١].
الرابع: أن تكون في مقام الوعد من المولى للعبد، بأنّه إذا أتى بالفعل الذي بلغ عليه الثواب، فإنّه سوف يحصل على ذلك الثواب؛ لمصلحة في نفس الوعد، من دون أن تكون هناك مصلحة في نفس الفعل، و هذه المصلحة، عبارة عن: الترغيب في الاحتياط باعتباره حسناً على كلّ حال [٢].
[١] هذا ما ذهب إليه السيد الخوئي بحسب ما جاء عنه في المحاضرات، ج ٥، ص ٣٨٣: «ان مفاد تلك القاعدة ليس هو استحباب العمل البالغ عليه الثواب، بل مفادها هو الارشاد إلى ما استقل به العقل من حسن الاتيان به برجاء ادراك الواقع».
و قال في كتاب الطهارة، ج ٩، ص ٢٩٥: «أن أخبار من بلغ، واردة للإرشاد إلى ما استقل به العقل، من أن الانقياد و إتيان العمل برجاء المحبوبية، حسن و يترتب عليه الثواب، و لا دلالة لها على استحباب العمل شرعاً، وعليه، لا تثبت مشروعية تقديم الغسل يوم الخميس، نعم، لا بأس بالإتيان به يوم الخميس رجاءً عند خوف الإعواز، أو إحرازه يوم الجمعة».
[٢] و هذا هو الظاهر من كلمات الشيخ الأنصاري، حيث قال في فرائد الأصول، ج ٢، ص ١٥٧: «و أما الثواب الموعود في هذه الأخبار، فهو باعتبار الإطاعة الحكمية، فهو لازم لنفس عمله المتفرع على السماع و احتمال الصدق و لو لم يرد به أمر آخر أصلًا، فلا يدل على طلب شرعي آخر له. نعم، يلزم من الوعد على الثواب طلب إرشادي لتحصيل ذلك الموعود. فالغرض من هذه الأوامر، كأوامر الاحتياط، تأييد حكم العقل، و الترغيب في تحصيل ما وعد الله عباده المنقادين المعدودين بمنزلة المطيعين».