تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٢٦ - حصي حصي
٣٢٦
أَحْصَاها دَخَلَ الجنَّةَ» . اخْتُلِفَ فيه فقيلَ: من أَحْصَاهُ إِحْصاءً إِذا عَدَّهُ. و قالَ الراغبُ: الإِحْصاءُ التَّحْصِيلُ بالعَدَدِ يقالُ أَحْصَيتُ كذا، و ذلِكَ في لَفْظِ الحَصَا و اسْتِعْمالِ ذلِكَ مِن حيثُ أنَّهم كانوا يَعَتَمِدُونَ في العَدِّ كاعْتِمادِنا فيه على الأصابع؛ قالَ اللَّهُ تعالى: وَ أَحْصىََ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً [١]
أَي حَصَّلَه و أَحاطَ به، انتَهَى.
قالَ شيْخُنا: ثم صارَ حقيقَةً في مُطْلقِ العَدَّ و الضَّبْطِ.
و قالَ الأزهريُّ في تأْويلِ الحدِيثِ: من أَحْصاها عِلْماً بها و إيماناً بها و يَقِيناً بأَنَّها صِفاتُ اللَّهِ، عزَّ و جلَّ، و لم يُرِد الإِحْصاءَ الذي هو العَدُّ.
أَو أَحْصاهُ : حَفِظَهُ عن ظَهْرِ قَلْبِه؛ و به فُسِّر الحدِيثُ أَيْضاً؛ و ١٦- في الحدِيثِ : «أَ كُلَّ القُرْآن أَحْصَيْتَ » ؟. أَي حَفِظْتَ و قَوْله للمرأَةِ: أَحْصِيها أَي احْفَظِيها.
أَو أَحْصاهُ : عَقَلَهُ ؛ و به فُسِّرَ الحدِيثُ أَيْضاً؛ أَي من عَقَلَ مَعْناها و تَفَكَّرَ في مَدْلولِها مُعْتبراً في مَعانِيها و مُتَدبِّراً رَاغِباً فيها و رَاهِباً؛ و قيلَ: مَعْناه مَنِ اسْتَخْرجَها مِن كتابِ اللَّهِ تعالى و أَحادِيثِ رَسُولهِ صَلَى اللّه عليه و سلّم، لأنَّ النبيَّ صَلَى اللّه عليه و سلّم، لم يعدّها لهم، إلاَّ ما جاءَ ١٤- في رِوايَةٍ عن أَبي هُرَيْرَةَ :
و تَكلَّموا فِيها.
*قُلْت: و قد أَلَّفَ في رِوايَةِ أَبي هُرَيْرَةَ التَّقيُّ السّبكيّ رِسالَةً صغيرَةٌ بَيَّنَ فيها ما يَتَعلَّقُ بحالِ الرِّوايَةِ، و هي عِنْدِي.
و أَمَّا قَوْله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ [٢] ، أَي لنْ تُطِيقُوا عَدَّه و ضَبْطَه.
و ١٦- في الحدِيثِ : «اسْتَقِيمُوا و لنْ تُحْصُوا » . أَي لنْ تُطِيقُوا الاسْتِقامَةَ؛ و قيلَ: لنْ تُحْصوا ثَوابَه.
و الحَصاةُ : اشْتِدادُ البَوْلِ في المَثانَةِ حتى يَصِيرَ كالحَصَاةِ ، و قد حُصِيَ الرَّجُلُ كعُنِيَ ، فهو مَحْصِيٌّ ؛ عن الليْثِ. و الحَصاةُ : العَقْلُ و الرَّأْيُ. يقالُ: فلانٌ ذُو حَصاةٍ و أصاةٍ، أَي عَقْل و رَأْي.
و هو ثابِتُ الحَصاةِ : إذا كانَ عاقِلاً؛ و أَنشَدَ الجَوهرِيُّ لكَعْبِ بنِ سعْدٍ الغَنَويِّ:
و أَنَّ لِسانَ المَرْءِ ما لم تَكُنْ له # حَصَاةٌ على عَوْراتِهِ لَدَلِيلُ [٣]
و نَسَبَه الأزهريُّ إلى طَرَفَة؛ أَي إذا لم يَكُنْ مع اللِّسانِ عَقْل يحجُزُه عن بَسْطِه فيمَا لا يُحَبُّ دَلَّ اللِّسان على عَيْبٍ بما يَلْفِظ به من عُورِ الكَلامِ.
و قالَ الأصمعيُّ: الحَصاةُ فَعَلَةٌ مِن أَحْصَيْت .
و قوْلُهم: ذُو حَصاةٍ : أَي حازِمٌ كَتومٌ يَحْفظُ سِرَّه.
و هو حَصِيٌّ ، كغَنيِّ وافِرُ العَقْلِ شَديدُه.
و الحَصْوُ : المَغَصُ في البَطْنِ ؛ عن ابنِ الأعرابيِّ.
و الحَصْوُ : المَنْعُ ، و أَنْشَدَ الجَوهريُّ للشاعِرِ، و هو بَشِيرٌ الفَريريُّ:
أَلا تَخافُ اللَّهَ إذ حَصَوْتَني # حَقِّي بِلا ذَنْبٍ و إذْ عَنَّيْتَنِي [٤]
و حَصِيَ الشَّيءَ، كرَضِيَ: أَثَّرَ فيه ؛ هكذا نَقَلَه الصَّاغانيُ [٥] عن أَبي نَصْر؛ قالَ ساعِدَةُ بنُ جُوءَيَّة:
فَوَرَّك لَيْناً أَخْلَصَ القَيْنُ أَثْرَه # و حاشِكةً يُحْصي الشِّمالَ نَذيرُها [٦]
قيلَ: يُحْصِي في الشِّمالِ يُوءَثِّرُ فيها.
[١] سورة الجن، الآية ٢٨.
[٢] سورة المزمل، الآية ٢٠.
[٣] الصحاح و اللسان، و لم ينسبه في المقاييس ٢/٧٠ و قبله في الصحاح و اللسان بيت آخر، و البيتان في التكملة، قال الصاغاني:
و ليس البيتان لكعب و إنما هما لطرفة، و البيت الشاهد في التهذيب و الأساس منسوباً فيهما أيضاً لطرفة، و هو في ديوانه ط بيروت ص ٨١ من قصيدة مطلعها:
لهند بحران الشريف طلول # تلوح و أدنى عهدهن محيلُ.
[٤] اللسان و الصحاح و المقاييس ٢/٦٩ و فيها: «عنّنتني» .
[٥] في التكملة: «و حَصَى الشيءَ» ضبط قلم.
[٦] ديوان الهذليين ٢/٢١٦ و ضبط يحصى بفتح الياء و الصاد، و المثبت كضبط اللسان بكسرهما.