تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٨٣ - أيي أَيّ
فصارَ التَّقْدير كَيْىءٌ، ثم إنَّهم قَلَبُوا الياءَ أَلِفاً لانْفِتاحِ ما قَبْلها، فصارَتْ كائِنْ: فمَنْ قالَ: كأَيِّنْ فهي أَيُّ أُدْخِلَتْ عليها الكافُ، و مَنْ قالَ: كائِنْ فقد بيَّنَّا أَمْرَه، و مَنْ قالَ:
كأْي بوزْنِ رَمْي فأَشْبَه ما فيه أنَّه لما أَصارَه التَّغَير على ما ذَكَرْنا إلى كَيْىءٍ قدَّمَ الهَمْزَةَ و أَخّر الياءَ و لم يَقْلبِ الياءَ أَلِفاً، و مَنْ قالَ: كيءٍ بوزْنِ عَمٍ فإنَّه حذَفَ الياءَ مِن كَيْئٍ تَخْفِيفاً أَيضاً.
و قالَ الجَوْهرِيُّ: تقولُ كأَيِّنْ رجُلاً لَقِيتَ، تَنْصبُ ما بَعْد كأَيِّنْ على التَّمْييزِ؛ و تقولُ أَيْضاً كأَيِّنْ من رجُلٍ لَقِيتَ، و إدْخال مِن بَعْد كأَيِّنْ أَكْثَر مِنَ النَّصْبِ بها و أَجْوَد؛ و تقولُ: بكأَيِّنْ تَبِيعُ هذا الثَّوْبَ؟أَي بكَم تَبِيع؛ قالَ ذو الرُّمَّة:
و كائِنْ ذَعَرْنا مِن مَهَاةٍ و رامِحٍ # بِلادُ العِدَا لَيْسَتْ له ببِلادِ [١]
هذا نَصُّ الجَوْهرِيِّ.
قالَ سِيْبَوَيْه: و قالوا كأَيِّنْ رجُلاً قد رأَيت، زَعَمَ ذلِكَ يونُس، و كأَيِّنْ قد أَتاني رجُلاً، إلاَّ أَنَّ أَكْثَر العَرَبِ إنَّما يتَكَّلمُونَ مع مِنْ قالَ: و معْنَى كأَيِّنْ رُبَّ.
و قالَ الخَلِيلُ: إن جَرَّها أَحدٌ مِنَ العَرَبِ فَعَسى أَن يجرَّها بإضْمارِ مِن، كما جازَ ذلِكَ في كَمْ؛ و قالَ أَيْضاً:
كأَيِّنْ عَمِلَتْ فيمَا بَعْدَها كعَمَلِ أَفْضَلَ في رجُلٍ فصارَ أَيّ بمنْزِلَةِ التَّنْوين، كما كانَ هم مِنَ قَوْلِهم أَفْضَلهم بمنْزِلَةِ التَّنْوين. قالَ: و إنَّما يَجِيءُ الكافُ للتَّشبيهِ فتَصيِر هي و ما بَعْدَها بمنْزِلَةِ شيء واحِدٍ.
و أَيٌّ أَيْضاً اسمٌ صِيغَ ليُتَوَصَّلُ بها ؛ كذا في النسخ و الصَّوابُ به؛ إلى نداءِ ما دَخَلَتْه أَلْ كَيَا أَيُّها الرَّجُلُ و يا أَيُّها الرَّجُلانِ و يا أَيُّها الرِّجال، و يا أَيَّتُها المَرْأَةُ و يا أَيَّتُها المَرْأَتانِ و يا أَيَّتُها النِّسْوَةُ، و يا أَيُّها المَرْأَة و يا أَيُّها المَرْأَتانِ و يا أَيُّها النِّسْوة. و أَمَّا قَوْلُه، عزَّ و جلَّ: يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ [٢] ، فقد يكونُ على قَوْلِكَ يا أَيّها المَرْأَة و يا أَيّها النِّسْوة. و أَمَّا ثَعْلَب فقالَ: إنَّما خاطَبَ النَّمْلَ بيا أَيّها لأنَّه جَعَلَهم كالنَّاسِ، و لم يَقُل ادْخُلي لأنَّها كالناسِ في المُخاطَبَةِ، و أَمَّا قَوْلُه: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا* ، فيأتي بنِداءٍ مُفْردٍ مُبْهِمِ، و الذين في مَوْضِع رَفْعِ صفَةٍ لأيّها ، هذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ و سِيْبَوَيْه و أَمَّا مَذْهَبُ الأَخْفَش: فالذين صفَةٌ لأيّ ، و مَوْضِعُ الذين رَفْع بإضْمارِ الذَّكَرِ العائِدِ على أَيَّ ، كأَنَّه على مَذْهَبِ الأَخْفَش بمنْزِلَةِ قَوْلِكَ: يا مَنْ الذين أَي يا من هم الذين، و ها لازِمَةٌ لأيِّ عِوَضاً ممَّا حُذِفَ منها للإِضافَةِ و زِيادَةً في التَّنْبِيهِ.
و في الصِّحاح، و إذا نادَيْتَ اسْماً فيه الأَلِفُ و الَّلامُ أَدْخَلْتَ بَيْنه و بينَ حَرْفِ النِّداءِ أَيّها فتَقولُ: يا أَيّها الرَّجُلُ و يا أَيَّتُها المَرْأَة، فأَيّ اسمٌ مُفْردٌ مُبْهم مَعْرِفَة بالنِّداءِ مَبْنِيٌّ على الضمِّ، و ها حَرْفُ تَنْبيهٍ، و هي عِوَض ممَّا كانتْ أَيّ تُضَافُ إليه، و تَرْفَع الرَّجُل لأنَّه صفَةٌ أَيّ ؛ انتَهَى.
و قالَ ابنُ بَرِّي: أَيّ وُصْلَة إلى نداء ما فيه الألِف و اللام في قَوْلِكَ يا أَيُّها الرَّجُل، كما كانتْ إِيّاً وُصْلَةَ المُضْمَرِ في إيّاه و إيّاك في قَوْلِ مَنْ جَعَل إِيَّا اسْماً ظاهِراً مضافاً على نَحْو ما سمعَ مِنْ قَوْلِ العَرَبِ: إذا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّيْن فإِيَّاه و إِيَّا الشَّوابِّ، انتَهَى.
و قالَ الزجَّاجُ: أَيّ اسمٌ مُبْهمٌ مَبْنِيٌّ على الضمِّ مِن أَيُّها الرَّجُل، لأنَّه مُنادَى مُفْرَد، و الرَّجُل صِفَة لأَيّ لازِمَه، تقولُ: أَيّها الرَّجُل أَقْبِل، و لا يجوزُ يا الرَّجُل؛ لأنَّ يا تَنْبِيهٌ بمنْزِلَةِ التَّعْريفِ في الرَّجُل فلا يجمعُ بينَ يا و بينَ الأَلفِ و اللامِ، و ها لازِمَةٌ لأيّ للتَّنْبيهِ، و هي عِوَضٌ مِن الإِضافَةِ في أَيّ ، لأنَّ أَصْلَ أَيّ أن تكونَ مُضافَةً إلى الاسْتِفْهامِ و الخَبَرِ، و المُنادَى في الحَقيقَةِ الرَّجُلُ، و أَيّ وُصْلَة إليه؛ و قالَ الكُوفِيّون: إذا قُلْتَ يا أَيّها الرَّجُل، فيا نِدَاء، و أَيّ اسمٌ مُنادَى، و ها تَنْبيه، و الرَّجُل صِفَة، قالوا:
و وُصِلَتْ [٣] أَيّ بالتَّنْبِيه فصارَ اسْماً تامّاً لأنَّ أَيا و ما و من و الذي أَسْماءٌ ناقِصَةٌ لا تتمُّ إلاَّ بالصِّلاتِ، و يقالُ: الرَّجُل تَفْسِير لمَنْ نُودِي.
[١] اللسان و الصحاح.
[٢] النمل الآية ١٨.
[٣] كذا بالأصل و اللسان، و الذي في التهذيب: فـ «الواو» وَصلت «أَي» بالتنبيه.