تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٣٠ - أبو
خالَهْ، و تقولُ يا أَبَتاهْ كما تقولُ يا خالتَاهُ، قالَ: و إنّما يلزمون هذه الهاءَ في النِّداءِ إِذا أَضَفْتَ إلى نَفْسِك خاصة، كأنها [١] جَعَلُوها عِوَضاً من حذْفِ الياءِ، قال: و أَرادُوا أَنْ يُخِلُّوا بالاسْمِ حينَ اجْتَمَعَ فيه حَذْف النِّداءِ، و أنَّهم لا يَكادُونَ يقُولُونَ: يا أَباهُ ، و صَارَ هذا مُحْتَملاً عنْدَهم لِمَا دَخَلَ النِّداءَ مِن الحَذْفِ و التَّغْييرِ، فأَرَادُوا أَن يُعَوِّضوا هذين الحَرْفَيْن كما يَقولُونَ أَيْنُق، لمَّا حَذَفُوا العَيْن جَعَلوا الياءَ عِوَضاً، فلمَّا أَلْحَقُوا الهاءَ صَّيرُوها بمنْزِلَةِ الهاءِ التي[تلزم] الاسْمَ في كلِّ مَوْضِع، و اخْتَصّ النِّداء بذلِكَ لكَثْرتِه في كَلامِهم كما اخْتصَّ بيا أَيُّها الرَّجُل.
و ذَهَبَ أَبو عُثْمان المازِنيُّ في قِراءَةِ مَنْ قَرَأَ يا أَبَهَ ، بفتْحِ الهاءِ إلى أَنَّه أَرادَ يا أَبَتاهُ فحذَفَ الألِفَ، و قَوْلُه أَنْشَدَه يَعْقوبُ:
تقولُ ابْنَتي لمَّا رأَتْ وَشْكَ رِحْلَتي # كأَنَّك فِينا يا أَباةَ غَريبُ [٢]
أَرادَ: أَبَتاهُ ، فقدَّمَ الأَلِفَ و أَخَّر التاءَ، ذَكَرَه ابنُ سِيدَه و الجَوْهرِيُّ.
و قالَ ابنُ بَرِّي: الصَّحِيحُ أَنَّه ردَّ لامَ الكَلِمَة إِليها لضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
و قالوا: لابَ لَكَ ، يُريدونَ لا أَبَ ، لَكَ، فَحَذَفَوا الهَمْزَةَ البَتَّةَ، و نَظيرُهُ قَوْلَهم: وَيْلُمِّه، يريدون: وَيْلَ أُمِّه.
و قالوا: لا أَبا لَكَ. قالَ أَبو علي: فيه تَقْديرانِ مُخْتلِفانِ لمعْنَيَيْن مُخْتلِفَيْن، و ذلِكَ أَنَّ ثَباتَ الأَلِفِ في أَبَا مِن أَبَا لَكَ دَلِيلُ الإضافَةِ، فهذا وَجْهٌ، و وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ ثَباتَ اللامِ و عَمَل لا في هذا الاسْم يُوجِبُ التَّنْكِيرَ و الفَصْلَ، فثَباتُ الألِفِ دَليلُ الإضافَةِ و التَّعْريفِ، و وُجودُ اللامِ، دَليلُ الفَصْل و التَّنْكير و هذان كما تَراهُما مُتَدافِعَانِ.
و رُبَّما قالوا: لا أَباكَ ، لأنَّ اللاَّمَ كالمُقْحمةِ؛ و رُبَّما حَذَفُوا الألفَ أَيْضاً فقالوا لا أَبَكَ ، و هذه نَقَلَها الصَّاغانيُّ عن المبرِّدِ. و قالوا أَيْضاً: لا أَبَ لَكَ ؛ و كُلُّ ذلِكَ دُعاءٌ في المَعْنَى لا مَحالَةَ، و في اللَّفْظِ خَبَرٌ أَي أَنتَ عنْدِي ممَّنْ تستحقُّ أَن يُدْعى عليه بفَقْدِ أَبيهِ . و يُؤَكّد عندك خُروجُ هذا الكَلام مَخْرَج المَثَل كُثْرتُه فِي الشِّعْرِ، و أَنَّه يقالُ لمن له أَبٌ و لمن لا أَبَ له ، لأنَّه إِذا كانَ لا أَبَ له لم يَجُزْ أَن يُدْعَى عليه بما هو فيه لا مَحالَةَ، أَلا تَرى أنَّك لا تقولُ للفَقِيرِ أَفْقَرَه اللّه، فكما لا تقولُ لمَنْ لا أَبَ له: أَفْقَدَ اللَّهُ أَباكَ ، كَذلِكَ تَعْلم أنَّ قوْلَهم هذا لمَنْ لا أَبَ له لا حَقِيقَة لمعْناهُ مُطابِقَة للَفْظِه، و إِنَّما هي خارِجَةٌ مَخْرَج المَثَلِ على ما فَسَّرَه أَبو عليٍّ، و منه قَوْلُ جريرٍ:
يَا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيِّ لا أَبا لَكُمُ # لا يَلْقَيَنَّكُمْ فِي سَوْءَةٍ عُمَرُ [٣]
فهذا أَقْوى دَليلٍ على أنَّ هذا القَوْلَ مَثَلٌ لا حَقِيقَة له، أَلا تَرى أنَّه لا يَجوزُ أنْ يكونَ للتَّيْم كلِّها أَبٌ واحِدٌ، و لكنَّكم كُلُّكُمْ أَهْلُ الدُّعاءِ عليه و الإِغْلاظ له؛ و شاهِدُ لا أَباكَ ، قَوْلُ أَبِي حَيَّة النُّميْري:
أَ بِالْمَوْتِ الذي لا بُدَّ أَنِي # مُلاقٍ لا أَباكِ تُخَوِّفِيني؟ [٤]
و أَنْشَدَ المبرِّدُ في الكامِلِ:
و قد ماتَ شَمَّاخٌ و ماتَ مُزَرِّدُ # و أَيُّ كَرِيمٌ لا أَبَاكِ مُخَلَّدُ؟ [٥]
و شاهِدُ لا أَبا لَكَ قَوْلُ الأَجْدَع:
فإِن أَثْقَفْ عُمَيراً لا أُقِلْهُ # و إِن أَثْقَفْ أَباه فلا أَبا لَهْ! [٦]
[١] الصواب: «كأنهم» كما في اللسان.
[٢] اللسان و الصحاح.
[٣] ديوانه ١/٢١٢ و اللسان و الكامل للمبرد ٣/١١٤٠ و انظر تخريجه فيه، و بالأصل «و يلفينكم» بالفاء.
[٤] اللسان و الكامل للمبرد ٢/٦٧٠ و ٣/١١٤٠ و هو من شواهد المقتضب ٤/٣٧٥ و الصحاح و اللسان.
[٥] اللسان و الكامل للمبرد ٢/٦٧٠ و ٣/١١٤٠ «يخلد» و صواب إنشاده:
و أَي عزيز لا أبا لك يمنع
و البيت من عينية مسكين الدارمي، خزانة الأدب ٢/١١٦.
[٦] اللسان.