تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٥ - سفه سفه
و مِثْلُه قَوْلُهم: ضِقْتُ به ذَرْعاً و طِبْتُ به نَفْساً، و المعْنَى: ضاقَ ذَرْعِي به و طابَتْ نَفْسِي به، انتَهَى.
*قُلْتُ: و هذا القَوْلُ أَنْكَرَه النّحويُّونَ، و قالوا: إِنَّ المُفَسِّراتِ نَكِرَاتٌ و لا يَجوزُ أَن تُجْعلَ المَعارِفُ نَكِرَاتٍ.
أَو نَسَبَه إِليه؛ هذا القَوْلُ فيه إِشارَةٌ إِلى قَوْلِ الأَخْفَش، فإِنَّه قالَ: أَهْلُ التَّأْوِيل يَزْعمونَ أَنَّ المَعْنَى سَفَّه نَفْسَه، أَي بالتَّشْديدِ بالمعْنَى المذْكُور؛ و منه قَوْلُه: إِلاَّ مَنْ سَفِهَ الحَقَّ، معْناهُ: مَنْ سَفَّه الحقَّ.
و قالَ يونُسُ النّحويُّ: أُراها لُغَةٌ ذَهَبَ يونُسُ إلى أَنَّ فَعِلَ للمُبالَغَةِ، فذَهَبَ في هذا مَذْهَبَ التَّأْوِيلِ، و يَجوزُ على هذا القَوْلِ سَفِهْتُ زيْداً بمعْنَى سَفَّهْتُ زيْداً.
أَو أَهْلَكَهُ، فيه إِشارَةٌ إِلى قَوْلِ أَبي عبيدَةَ فإِنَّه قالَ:
معْنَى سَفِهَ نفْسَه أَهْلَكَ نَفْسَه و أَوْبَقَها، و هذا غَيْرُ خارِجٍ مِن مَذْهَبِ يونُسَ و أَهْل التّأْوِيل.
و قالَ بعضُ النّحويِّين في قوْلِه تعالى: إِلاََّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [١] ، أَي في نَفْسِه أَي صارَ سَفِيهاً ، إِلاَّ أَنَّ «في» حُذِفَتْ كما حُذِفَتْ حُرُوفُ الجَرِّ في غيرِ مَوْضِعٍ.
و قالَ الزَّجَّاجُ: القَوْلُ الجَيِّدُ عنْدِي في هذا: أَنَّ سَفِهَ في مَوْضِعِ جَهِلَ، و المعْنَى، و اللَّهُ أَعْلَم، إِلاَّ مَنْ جَهِلَ نَفْسَه، أَي لم يُفَكِّرْ في نَفْسِه فوَضَعَ سَفِهَ في مَوْضِعِ جَهِلَ، و عُدِّيَ كما [٢] عُدِّيَ.
قالَ الأَزْهرِيُّ: و ممَّا يُقوِّي قوْلَ الزجَّاجِ ١٦- الحدِيثُ : «إِنَّ الكِبْرَ أَنْ تَسْفَهَ الحَقَّ و تَغْمِطَ الناسَ» . فجعَلَ سَفِهَ واقِعاً مَعْناه أَنْ تَجْهَلَ الحَقَّ فلا تَراهُ حَقّاً.
و يقالُ: سَفِهَ فلانٌ رأْيَه إِذا جَهِلَهُ و كانَ رأْيُه مُضْطرباً لا اسْتِقامَةَ له.
و ١٦- في الحدِيثِ : «إِنَّما البَغْيُ مِنْ سَفِهَ الحقَّ» . أَي مَنْ جَهِلَه، و قيلَ: مَنْ جَهِلَ نَفْسَه، و في الكَلامِ مَحْذوفٌ تَقْديرُه إِنَّما البَغْيُ فِعْلُ مَنْ سَفِهَ الحقَّ. و رَوَاهُ الزَّمَخْشريُّ: مِن سَفَهِ الحَقِّ، على أَنَّه اسمٌ مُضافٌ إِلى الحقِّ، قالَ: و فيه وَجْهان: أَحَدُهما: أَنْ يكونَ على حَذْفِ الجَارِ و إيصالِ الفِعْل كأَنَّ الأصْلَ سَفِهَ على الحقِّ، و الثاني: أَنْ يَضْمَنَ معْنَى فعل متعدِّ كجَهِلَ، و المعْنَى الاسْتِخْفاف بالحقِّ و أَنْ لا يَراهُ على ما هو عليه مِنَ الرُّجْحانِ و الرَّزانَةِ.
و مِن المجازِ: سَفِهَتِ الطَّعْنَةُ سَفْهاً : أَسْرَعَ منها الدَّمُ و جَفَ [٣] ؛ كما في الأساسِ.
و مِن المجازِ: سَفِهَ الشَّرابَ سَفْهاً : إذا أَكْثَرَ منه فلم يَرْوَ. و حَكَى اللّحْيانيُّ: سَفِهَ الماءَ شَرِبَه بغيرِ رِفْقٍ.
و سَفِهَ ، كفَرِحَ و كَرُمَ، علينا؛ الأوْلى أَنْ يقولَ: سَفِهَ علينا، كفَرِحَ و كَرُمَ؛ جَهِلَ، كتَسافَهَ ، فهو سَفِيهٌ ، ج سُفَهاءُ و سِفاهٌ ، بالكسْرِ، و هي سَفِيهَةٌ ، ج سَفِيهاتٌ و سَفائِهُ و سَفَّهٌ ، كسُكَّرٍ، و سِفاهٌ ، بالكسْرِ.
و قَوْلُه تعالَى: وَ لاََ تُؤْتُوا اَلسُّفَهََاءَ أَمْوََالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللََّهُ لَكُمْ قِيََاماً [٤] .
قالَ اللّحْيانيُّ: بَلَغنا أَنَّهم النِّساءُ و الصِّبْيان الصِّغارُ لأنَّهم جُهَّالٌ بموْضِعِ النّفَقةِ.
قالَ: ١٧- و رُوِي عن ابنِ عبَّاسٍ، رضِيَ اللَّهُ تعالى عنهما، أَنّه قالَ : النِّساءُ أَسْفَهُ السُّفَهاءِ .
و قالَ الأزْهرِيُّ: سُمِّيت المرْأَةٌ سَفِيهَة لضعفِ عَقْلِها، و لأنَّها لا تُحْسِنُ سِياسَةَ مالِها، و كَذلِكَ الأَوْلاد ما لم يُؤْنَس رُشْدُهم.
و قوْلُه تعالَى: فَإِنْ كََانَ اَلَّذِي عَلَيْهِ اَلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً [٥] ؛ السَّفِيهُ : الخَفِيفُ العَقْل.
و قالَ مُجاهِد: السَّفِيهُ : الجاهِلُ، و الضَّعِيفُ: الأحْمقُ.
قالَ ابنُ عَرَفَة: الجاهِلُ هنا هو الجاهِلُ بالأَحْكامِ لا
[١] البقرة، الآية ١٣٠.
[٢] أي على المعنى، كما يفهم من عبارة التهذيب.
[٣] في الأساس: و خفّ.
[٤] النساء، الآية ٥.
[٥] البقرة، الآية ٢٨٢.