تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢١٠ - بقي بقي
و البَقَاءُ عنْدَ أَهْلِ الحقِّ: رُؤْيَةُ العَبْدِ قِيَام اللََّه على كلِّ شيءٍ.
و أَبْقاهُ و بَقَّاهُ و تَبَقَّاهُ و اسْتَبْقَاهُ ، كُلُّ ذلِكَ بمعْنىً واحِدٍ.
و ١٦- في الحدَيثِ : « تَبَقَّهْ و تَوَقَّهْ» . هو أَمْرٌ من البَقاءِ و الوِقاءِ، و الهاءُ فيهما للسَّكتِ، أَي اسْتَبْق النفسَ و لا تُعَرِّضْها للهَلاكِ و تَحَرَّزْ مِن الآفاتِ.
و الاسمُ البَقْوَى كدَعْوَى و يُضَمُ ؛ هذه عن ثَعْلَب؛ و البُقْيا ، بالضَّمِ و يُفْتَحُ.
قالَ ابنُ سِيدَه: إن قيلَ: لِمَ قَلَبَتِ العَرَبُ لامَ فَعْلَى إذا كانت اسْما و كان لامُها ياء واواً حتى قالوا البَقْوَى و ما أَشْبَه ذلك؟فالجَوابُ: أنَّهم إنَّما فعلُوا ذلِكَ في فَعْلَى لأنَّهم قد قلَبُوا لامَ الفُعْلى إذا كانت اسْماً، و كانت لامُها واواً، ياء طلباً للخِفَّةِ، و ذلِكَ نَحْو الدُّنْيا و العُلْيا و القُصْيَا، و هي مِن دَنَوْتُ و عَلَوْتُ و قَصَوْتُ، فلمَّا قلبُوا الواوَ ياءً في هذا و في غيرِهِ عوَّضُوا الواوَ مِن غلبَةِ الياءِ عليها في أَكْثَر المَواضِع في أنْ قلَبُوها في نَحْو البَقْوَى و التَّقْوَى واواً، ليكونَ ذلِكَ ضَرْباً من التَّعْوِيضِ و مِنَ التَّكافُؤ بَيْنهما، انتَهَى.
و شاهِدُ البَقْوَى قَوْلُ أَبي القَمْقامِ الأَسَدِيِّ:
أُذَكَّرُ بالبَقْوَى على ما أَصابَني # و بَقْوايَ أَنِّي جاهِدٌ غَيْر مُؤْتَلِي [١]
و شاهِدُ البُقْيا قَوْلُ اللَّعِين المنْقَريّ انْشَدَه الجَوْهرِيُّ:
فما بُقْيَا عليَّ تَرَكْتُماني # و لكنْ خِفْتُما صَرَدَ النِّبالِ [٢]
و البَقِيّةُ ، كالبَقْوَى.
و قد تُوضَعُ الباقِيةُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ ؛ قالَ اللَّهُ تعالى:
فَهَلْ تَرىََ لَهُمْ مِنْ بََاقِيَةٍ [٣] ، أَي بَقَاء ، كما فيالصِّحاحِ و هو قَوْلُ الفرَّاءِ. و يقالُ: هلْ تَرَى منهم باقِياً ، كلُّ ذلِكَ في العربيَّة جائِزٌ حَسَنٌ.
و يقالُ: ما بَقِيَتْ [٤] باقِيَةٌ و لا وَقاهُم مِن اللََّه واقِيَةٌ.
و قالَ الرَّاغبُ في تَفْسيرِ الآيَةِ: أَي مِن جماعَةٍ باقِيَةٍ ؛ و قيلَ: مَعْناهُ بَقِيَّة . و قد جاءَ مِن المَصادِرِ ما هو على فاعِلٍ و ما هو على بِناءِ مَفْعولٍ، و الأَوَّل أَصَحّ، انتَهَى.
و قَوْلُه تعالى: بَقِيَّتُ اَللََّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٥] ، أَي طاعَةُ اللَّهِ.
و قالَ أَبو عليِّ: أَي انْتِظارُ ثَوابِه لأنَّه إنَّما يَنْتَظِرُ ثَوابَه مَنْ آمَنَ.
أَو الحالَةُ الباقِيَةُ لَكُمْ من الخَيْرِ ؛ قالَهُ الزجَّاجُ.
أَو ما أَبْقَى لَكُم من الحَلالِ ؛ عن الفرَّاءِ؛ قالَ: و يقالُ مُراقَبَة اللَّهِ خَيْر لَكُم.
و قالَ الرَّاغِبُ: البَقِيَّةُ و الباقِيَةُ كلُّ عِبادَةٍ يُقْصَدُ بها وَجْه اللَّهِ تعالى، و على هذا بَقِيَّتُ اَللََّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ، و أَضافَها إلى اللَّهِ تعالى.
وَ اَلْبََاقِيََاتُ اَلصََّالِحََاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوََاباً* [٦] ، قيلَ: كلُّ عَمَل صالِح يَبْقَى ثَوَابه. أَو هي قَوْلنا: سبحانَ اللَّهِ و الحمدُ للَّهِ و لا إله إلاَّ اللَّهُ و اللَّهُ أَكْبَرُ ، كما جاء في حدِيثٍ. أَو الصَّلواتُ الخَمْسُ. و قالَ الرَّاغبُ: و الصَّحيحُ أنَّه كلُّ عِبادَةٍ يُقْصَد بها وَجْهُ اللَّهِ تعالى.
و مُبْقِياتُ الخَيْل ؛ الأَوْلى المُبْقياتُ من الخَيْل، التي يَبْقَى جَرْيُها بعدَ ؛ و في المُحْكَم عنْدَ؛ انْقِطاعِ جَرْيِ الخَيْلِ. و في التَّهْذِيبِ: تُبْقِي بعضُ جَرْيها تَدَّخِره؛ قالَ الكَلحَبَةُ:
[١] اللسان.
[٢] اللسان و الصحاح منسوبا للّعين، و في الأساس منسوباً للبيد، و ليس في ديوانه.
[٣] سورة الحاقة، الآية ٨.
[٤] في اللسان: ما بقيت منهم باقية....
[٥] سورة هود، الآية ٨٦.
[٦] سورة هود، الآية ٤٦.