تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٠٧ - بغي بغي
فاجِرَةً، مثْلُ قَوْلِهم مِلْحَفَة جَدِيدٌ؛ عن الأخْفَش، كما في الصِّحاحِ؛ و أُمُّ مَرْيَم حُرَّةٌ لا مَحَالَةَ. و لذاك عَمَّ ثعلبٌ بالبِغاءِ فقالَ: بَغَتِ المرأَةُ، فلم يَخُصَّ أَمَةٌ و لا حُرَّةً، و الجَمْعُ البَغايَا ؛ و أَنْشَدَ الجوْهرِيُّ للأَعْشى:
يَهَبُ الجِلَّةَ الجَراجِرَ كالبُسْ # تانِ تَحْنو لدَرْدَقٍ أَطْفالِ
و البَغايا يَرْكُضْنَ أَكْسِيَة الإضْ # رِيجِ و الشَّرْعَبيَّ ذا الأَذْيالِ [١]
أَرادَ: و يَهَبُ البَغايَا لأنَّ الحرَّةَ لا تُوهَب، ثمَ كَثُر في كَلامِهم حتى عَمُّوا به الفَواجِر، إماءً كنَّ أَو حَرائِرَ، و بَغَى عليه يَبْغِي بَغْياً : عَلاَ و ظَلَم. و أَيْضاً: عدا [٢] عن الحَقِّ و اسْتَطالَ. و قالَ الفرَّاءُ في قوْلِه تعالى: وَ اَلْإِثْمَ وَ اَلْبَغْيَ بِغَيْرِ [٣]
اَلْحَقِّ : إنَّ البَغْيَ الإسْتِطالَةُ على النَّاسِ.
و قالَ الأزْهرِيُّ: مَعْناه الكبرُ؛ و قيلَ: هو الظُّلْمُ و الفَسادُ.
و قالَ الرَّاغبُ: البَغْيُ على ضَرْبَيْن: أَحدُهما مَحْمودٌ و هو تَجاوزُ العَدْلِ إلى الإحْسانِ و الفَرْضِ إلى التَّطوّعِ؛ و الثاني: مَذْمومٌ و هو تَجاوزُ الحقِّ إلى الباطِلِ، أو تَجاوزُه إلى الشّبَهِ، و لذلِكَ قالَ اللَّهُ تعالى: إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَظْلِمُونَ اَلنََّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ [٤] ، فخصَّ العُقوبَةَ بمَنْ يَبْغِيه بغيرِ الحقِّ، قالَ:
و البَغْيُ في أَكْثَر المَواضِع مَذْمومٌ.
قالَ الأزْهرِيُّ: و أَمَّا قَوْلُه تعالى: فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ* [٥] فقيلَ: غَيْر باغٍ أَكْلَها تَلذُّذاً، و قيلَ: غَيْر طالِبٍ مُجاوَزَة قدْرِ حاجَتِهِ، و قيلَ: غَيْر باغٍ على الإِمام. و قالَ الرَّاغبُ: أَي غَيْر طالِبٍ ما ليسَ له طَلَبَه.
قالَ الأزْهرِيُّ: و معْنَى البَغْي قَصْدُ الفَسادِ.
و فلانٌ يَبْغي على النَّاسِ: إذا ظَلَمَهُم و طَلَبَ أَذَاهُم.
و قالَ الجوْهرِيُّ: كلُّ مجاوزَةٍ و إفْراطٍ على المقْدارِ، الذي هو حَدُّ الشيءِ، بَغْيٌ .
و قالَ شيْخُنا: قالوا إنَّ بَغْيَ من المشترك و تفرقته بالمَصادرِ بغى الشيءَ إذا طَلَبَه و أَحَبَّه بغيةً و بغيةً و بَغَى إذا ظَلَم بَغْياً ، بالفتْحِ، و هو الوَارِدُ في القُرْآنِ. و بَغَتِ الأَمَةُ زَنَتْ بِغاءً ، بالكسْرِ و المدِّ كما في القُرآنِ، و جَعَلَ المصنِّفُ البِغاءَ مِن باغَتْ غَيْر مُوافِقٍ عليه، انتَهَى.
*قُلْتُ: في سِياقِه قُصُورٌ مِن جهاتٍ: الأولى: أنَّ بَغَى بمْعنَى طَلَبَ مَصدَرهُ البُغاء ، بالضمِّ و المدِّ على الفَصيحِ.
و يقالُ: بِغى و بُغى ، بالكسْرِ و الضمِّ مَقْصورانِ، و أَمَّا البُغْيَة و البِغْيَة فهُما اسْمانِ إلاّ على قَوْل ثَعْلَب كما تقدَّمَ.
و الثانية: أنَّه أهمل مَصْدَر بَغَى الضالَّةَ بُغايَةً ، بالضمِّ، عن الأصْمعيّ؛ و بُغاءً ، كغُرابٍ عن غيرِهِ، و الثالِثَةُ: أنَّ بِغَاء بالكسْرِ و المدِّ مَصْدَرٌ لبَغَتْ و باغَتْ ، كما صرَّحَ به ابنُ خَالَويه.
و بَغَى يَبْغِي بَغْياً : كَذَبَ ؛ و به فُسِّر قَوْلُه تعالى: يََا أَبََانََا مََا نَبْغِي هََذِهِ بِضََاعَتُنََا [٦] ، أَي ما نَكْذِبُ و ما نَظْلِم فما على هذا جَحْد، و يَجوزُ أَنْ يكونَ ما نَطْلُبُ، فما على هذا اسْتِفْهام.
و بَغَى في مِشْيَتِهِ بَغْياً : اخْتَالَ و أَسْرَعَ. و في الصِّحاحِ: البَغْيُ اخْتِيالٌ و مَرَحٌ في الفَرَسِ؛ قالَ الخَليلُ: و لا يقالُ فَرَسٌ باغٍ ، انتَهَى.
و قالَ غيرُهُ: البَغْيُ في عَدْوِ الفَرَسِ: اخْتِيالٌ و مَرَحٌ.
بَغَى يَبْغي بَغْياً : مَرَحَ و اخْتالَ، و إنَّه ليَبغِي في عَدْوِهِ.
و بغى الشَّيء بَغْياً : نظر إليه كيف هو و كذلك بَغَا بَغْواً يائيةٌ و واوية عن كراع.
[١] ديوانه ط بيروت ص ١٦٧ و البيتان في اللسان و الصحاح و الثاني في التهذيب.
[٢] في القاموس: و عَدَلَ.
[٣] سورة الأعراف، الآية ٣٣.
[٤] سورة الشورى، الآية ٤٢.
[٥] سورة البقرة، الآية ١٧٣.
[٦] سورة يوسف: من الآية ٦٥.