تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٢٣ - الجهة الثالثة في محاولة فهم عام لهذه الأخبار
و هذا ما يؤكده- أيضا- الخبر الذي سمعناه في هذا الفصل عن البحار عن المفضل بن عمر. حيث نستطيع أن نفهم منه هذا التسلسل الفكري:
إن أصحاب الإمام (ع)، خلال حكمهم في العالم، سيمارسون نشاطهم الاعتيادي، من خلال ما يعرفونه من أحكام و ما يتوصلون إليه من أساليب و ما يتلقونه من تعاليم و ما يحتوون عليه من قابليات و يبقون على ذلك. برهة من الزمن لا تحددها الرواية و هذه الممارسة هي في حقيقتها من أعظم التجارب و التمحيصات المتوجهة إليهم. إلى حد من الممكن القول: بأنهم لم يسبق لهم أن عاشوا مثل هذا التمحيص الكبير ...
بالرغم من مرورهم بالتمحيص السابق على الظهور، و بفترة الفتح العالمي، و اجتيازهم كل ذلك بنجاح منقطع النظير.
و خلال هذه البرهة، تبدأ- بالتدريج- نقاط ضعفهم بالظهور، و يتجلى اختلاف قابلياتهم في الإدارة و تطبيق العدل بشكل واضح. إلى حد يصبح العدل العالمي ككل معرضا للخطر، لو استمر الوضع على ما هو عليه.
فيأتي ذلك اليوم القريب الذي يجمعهم الإمام المهدي (ع) من أطراف العالم، و يعمل لهم مؤتمرا عاما، فيخرج لهم من قبائه كتابا مختوما بخاتم من ذهب، عهد معهود من رسول اللّه (ص)- كما تقول الرواية- فيطلعهم عليه. و الرواية لا تشير إلى مضمون هذا العهد، لأن التصريح به فوق مستوى الذهنية العامة لعصر صدور النص. إلا أنه من المؤكد أنه سوف يكون مضاعفا للمسؤولية عليهم مؤكدا لهم وجوب الالتزام بالعدل بشكل دقيق لا تسامح فيه. و بذلك تصبح نقاط ضعفهم التي مارسوها خلال نشاطهم العالمي، واضحة للعيان.
تقول الرواية: فيجفلون عنه إجفال النعم ... يهربون عنه و لا يقبلون بمضمون هذا العهد. و بذلك يفشلون في هذا التمحيص فشلا ذريعا، بالرغم من أنهم نجحوا في كل التمحيصات السابقة.
و سيكون الفاشلون أكثر أصحابه الخاصة، إذ لا يبقى منهم إلا اثني عشر نفر منهم، يتخذون جانب طاعة الإمام المهدي (ع) و الالتزام بعهوده و تعاليمه فيكون العصاة عليه ثلاثمائة شخص و واحد، و هم الباقي بعد طرح اثني عشر من ثلاثمائة و ثلاثة عشر.
و ليتهم إذ يهربون منه، يكتفون بترك المجتمع و الانصراف إلى العبادة، أو الأعمال الخيرية الصغيرة. لكنهم سوف يجولون في الأرض طلبا للناصرين لهم و المدافعين عنهم