تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٠٨ - الجهة الثالثة في التعرف على تفاصيل التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور
العمل المتزائد عائقا عن العبادة، فإن ذلك لا يمكن أن يحدث تحت ظل النظام العالمي العادل. إذ يمكن التوفيق بين العبادة و العمل، و تنظيمهما تنظيما عادلا يكفل إيفاء كل منهما للحاجة التربوية، و تحصيله لنتيجته المطلوبة، تحت اشراف القانون و الدولة.
المستوى الثاني: اننا نفهم من العبادة معنى ينطبق على العمل، و لا يتنافى معه. فان العمل نفسه يمكن أن يصبح عبادة. إذا كان واقعا في طريق العبادة و مطابقا للنظام العادل الكامل. فإنه يصبح آنئذ من أفضل العبادات في علاقة الفرد مع الآخرين، و لا نريد بالعبادة خصوص الطقوس الفردية التي تربط الفرد بربه. و قد اعطينا في هذا الكتاب و الكتاب السابق فكرة كافية عن ذلك.
... لكن بشرط أن يشعر الفرد العامل بهذا الترابط، و هذا الاستهداف فإن شعوره بذلك يجعله متصفا من خلال عمله بالعبادة، و هو في معمله أو متجره أو منجمه.
و هذا الشعور متوفر بطبيعة الحال تحت الإشراف التربوي للدولة العادلة.
لكن العمل إذا انطلق من المفهوم، فلن يكون مستهدفا لذاته، أو لمجرد الحصول على المال. فان العمل ما دام في سبيل المصالح العامة و تحقيق العبادة التامة ... إذا، فيجب أن يتحدد بحدودها، يكثر حين تقتضي كثرته، و يقل حين تقتضي تلك المصالح قلته. و لا معنى لأن يكون العمل معيقا عن تحقيق المصالح و الأهداف.
الأساس الرابع للتخطيط الثاني: الاشراف العام للدولة على تفاصيل التطبيق من الناحيتين القانونية و الاجتماعية.
حيث تشرف الدولة العادلة على نشر الثقافة العامة، و تقوم ببعض التمحيصات على ما سنسمع. و نراقب الأفراد من حيث رقيهم في الدرجات المطلوبة من الكمال، و تساعدهم على النجاح و التكامل بالمقدار اللازم، و تسجل في سجل ضميرها من نجح من الأفراد و من فشل منهم في التمحيص، و من له قابلية الرقي ممن ليس له ذلك.
و سنرى كيف سيكون للدولة من أثر مباشر في تربية الأفراد في العالم، و التدخل في حياتهم الروحية و العاطفية و العقلية و الاجتماعية. و هذا مما يؤكد نجاح الدعوة المهدوية و التطبيق الكامل للعدل، كما يؤكد اجتياز الأفراد للمراحل الأولى من الكمال بنجاح و سرعة و سهولة.
و هذا الأساس مما يفترق به هذا التخطيط عن سابقه، نتيجة لاختلافهما في الأهداف، فقد كان الهدف من التخطيط السابق، تمييز الخبيث من الطيب و تكريس جهود