تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٠٧ - الجهة الثالثة في التعرف على تفاصيل التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور
الأساس الثالث للتخطيط الجديد: توفير جو من السعادة و الرفاه المادي المتزائد، تحت جو من الأخوّة و التضامن و العدل الكامل ... بأساليب معينة ستأتي في القسم الثاني الآتي من الكتاب.
و الأساس النظري لايجاد هذا الرفاه، ليس هو مجرد نيل اللذة المادية لانها مهما كانت مهمة. فإنها لا تكفي وحدها للسير بالبشرية نحو هدفها المقصود النهائي ... و إنما يلاحظ الرفاه المادي بمقدار ما يستطيع أن يؤثر في ذلك الهدف البعيد و يربي البشرية باتجاهه.
و ذلك: من زاوية أن الرفاه المادي كلما تزايد، فإنه يوجب توفير الوقت الكافي و الجو النفسي للناس من أجل ايفاء الجانب الاخلاقي و العبادي حاجته الكاملة ... لكي يقع الرفاه المادي عن هذا الطريق واسطة نحو الهدف البشري البعيد.
و طبقا لهذا المنهج، يصبح الرفاه المادي متناسبا مطردا، مع توفير الجو الكافي لذلك، و لا يمكن أن يكون عائقا عنه، بعد أن يتشرب الناس ذلك الأساس النظري، و هو ملاحظة الرفاه بصفته طريقا نحو الهدف، لا انه بنفسه الهدف. و من ثم ستكون زيادة الرفاه مؤيدة لتركيز التربية و ترسيخ العدل، و من ثم المشاركة في بناء ذلك الهدف.
و هذا هو المؤدي الحقيقي لما سمعناه من الأخبار في فصل سابق من كثرة المال في عهد الإمام المهدي (ع) و انه يقسم المال و لا يعده ... تلك الأخبار المروية من قبل الفريقين، و قد سمعنا ما ورد منها في الصحيحين.
و قد يخطر في الذهن: أن توفير المال و الرفاه، إنما يكون من زيادة العمل، فيكون متناسبا تناسبا عكسيا مع الهدف، لأن زيادة العمل في سبيل الرفاه سوف يمتص الجهد الذي يمكن أن يبذل في الجانب الأخلاقي و العبادي. و لا تكون زيادة الرفاه مؤيدة لتركيز التربية، كما قلنا.
و الجواب على ذلك واضح جدا، لمن استطاع استيعاب المفهوم الصحيح للعبادة مع المفهوم الصحيح للعمل، فانه سيستغرب كيف تكون العبادة عائقا عن العمل مع أنه الأسلوب المهم في حصول الرفاه الاقتصادي المطلوب من أجل العبادة نفسها. و كيف يكون العمل عائقا عن العبادة، و هي الهدف الرئيسي للحياة. و بالنتيجة هما معا واقعين في طريق الهدف البشري الأعلى.
و من هنا يمكن أن ننطلق إلى الجواب على مستويين:
المستوى الأول: اننا إذا فهمنا من العبادة معنى لا ينطبق على العمل، و أصبح