تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٥٥ - الجهة الرابعة في السياسة العمرانية في دولة المهدي
يسبق له مثيل قبل عهد الظهور يبنى لكي يناسب الوضع الإسلامي في الدولة العالمية.
و إنما تنبثق الحاجة إلى ذلك، باعتبار صلاة الجمعة التي يقيمها الإمام (ع) في كل أسبوع. و التي يجب شرعا أن يحضرها الأعم الأغلب من الذكور من سكان العاصمة، و ما حواليها من الضواحي. إلى جانب كل من يرغب بالحضور للتشرف بالصلاة خلف الإمام المهدي (ع). و ثم سوف يكون التجمع كبيرا جدا بحيث يمكن أن يجمعهم جامع الكوفة الكبير الذي يخطب فيه لأول مرة، كما سمعنا. فاقتضت المصلحة إيجاد مثل هذا المسجد الضخم ليسد هذه الحاجة الإسلامية الملحة.
و من هنا ذكرت الأخبار، أن الإمام المهدي (ع) في أول جمعة من وروده إلى العراق يخطب خطبته الأولى هناك، و هي التي سبق أن تعرضنا لها. قال الخبر «فإذا كانت الجمعة الثانية، قال الناس: يا ابن رسول اللّه، الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول اللّه (ص). و المسجد لا يسعنا، فيقول:
أنا مرتاد لكم. فيخرج إلى الغري، فيخط مسجدا له ألف باب، يسع الناس [١].
و المسجد الذي لا يسع المصلين، هو جامع الكوفة الكبير الذي كان أمير المؤمنين (ع) يصلي فيه. و الغري هو النجف الأشرف الواقع جنوب الكوفة. و قوله: مرتاد لكم، أي طالب و مترقب لإجابة طلبكم.
و من هنا نعرف أن هذا المسجد يكون من أولى منجزاته العمرانية في العالم.
و هو يهتم في كل مسجد أن يطبق عليه الحكم الإسلامي الصحيح، حتى لو كان الحكم استحبابيا غير إلزامي، حيث ينبغي أن يتربى المجتمع تدريجا على الالتزام بالواجبات و المستحبات معا، ليبلغ في نهاية المطاف درجة العصمة المطلوبة، فهو (ع) يهدم كل مسجد عالي البناء، و يقتصر منه على المقدار الراجح في الشريعة العادلة. قال الخبر: «و لم يبق على وجه الأرض له شرف إلا هدمها و جعلها جماء».
و من جملة الأعمال العمرانية للمهدي (ع) في دولته- كما في الخبر- أنه يوسع الطريق الأعظم. و المراد به الطريق الرئيسي الذي يصل بين بلدتين و ليس في الخبر إشارة إلى طريق معين، و إنما المراد أنه يقوم بتوسيع الطرقات المهمة التي تصل بين المدن عموما.
[١] انظر غيبة الشيخ ص ٢٨١ و اعلام الورى ص ٤٣٠.