تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣٣٨ - الحرب العالمية
و هذه الدول بالذات. طبقا لقوله تعالى:
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ، وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها، أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً، فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ. كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [١].
فإن التمحيص كما هو شامل للأفراد، شامل للجماعات و الدول أيضا، و كما يفشل الأفراد في التمحيص كذلك تفشل الدول. و فشلها عبارة عن انعدام الضمير و الأخلاق فيها، و تولد الأنانية و سوء الظن ببعضها البعض و بالأفراد و الجماعات. الأمر الذي يولد على الصعيد الداخلي أقسى أنواع الظلم و التعسف، و على الصعيد الخارجي الحرب العالمية المدمرة.
و قد انطبقت الشرائط المذكورة في الآية الكريمة على الحضارة الأوروبية تماما. فقد «أخذت الأرض زخرفها و ازينت» بأنواع التقدم الحضاري و المدني في مختلف الحقول الإنسانية و اللاإنسانية ... و «ظن أهلها انهم قادرون عليها» و انهم مسيطرون على الطبيعة قادرون على تذليلها لمصالحهم و توفير سعادتهم. و إذا وجد هذان الشرطان وجدت النتيجة الرهيبة: «أتاها أمرنا» بالفناء «فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس» كما قال الشاعر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر
و ليس الأمر الإلهي بالفناء منحصرا بالطريقة الاعجازية، بل تشمل النتيجة التي قلناها، و هي ان فشل الدول في التمحيص يولد بينها الحرب المدمرة الماحقة التي لا تبقي للدول المتحاربة و لا لأسلحتها و لا لكبريائها أي وجود.
و التنبوء بحدوث الحرب المدمرة قبل الظهور، موجود في الروايات، بشكل و آخر، مروية من قبل المحدثين من الفريقين.
أخرج ابن ماجة [٢] عن أنس بن مالك عن رسول اللّه (ص)، في حديث عن اشراط الساعة، انه قال:
و يذهب الرجال و يبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد
[١] يونس: ١٠/ ٢٤.
[٢] أنظر السنن ج ٢ ص ١٣٤٣.