تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٠٩ - الجهة الثالثة في التعرف على تفاصيل التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور
الطيبين و تعميق اخلاصهم ليكونوا الطليعة الأولى لدولة العدل العالمية في اليوم الموعود. و لم يكن هناك أي تأكيد على انجاح الراسبين أو توفير فرص النجاح ... بل إن الفرد إذا رسب في التمحيص و عصى الأحكام الإلهية الإسلامية، فقد جنى بنفسه على نفسه و سعى بظلفه إلى حتفه، فليس وراءه إلا استحقاق العقاب.
و لذلك لم يكن هناك أي حاجة للاشراف المركزي على التثقيف أو التمحيص و ان كان هذا راجحا، إلا أنه في امكان التخطيط العام أن يصل إلى نتيجته وصولا تلقائيا و في كل الظروف.
و لكن التخطيط الثاني يختلف عن الأول؛ في هذه النقطة. و ذلك: لأنه لا يستهدف مجرد التمحيص، بل الوصول إلى الهدف الأعلى للانسانية على الصعيد العالمي كله. و هذا يستدعي القيام بأمرين مقترنين:
الأمر الأول: تعميق التمحيصات تبعا لتعميق الثقافة الاسلامية المعلنة في العالم يومئذ. و تشديد النكير على الراسبين في هذا التمحيص، إلى حد قد يؤدي بهم إلى القتل، لعدم انسجام الفرد الراسب في التمحيص مع مجتمع العدل المطلق.
الأمر الثاني: توفير الفرص الكافية للأفراد، ممن لا يتصف بالقابلية العليا و الثقافة العميقة، إلى النجاح، تحت إشراف الدولة العادلة، ليكون الوصول إلى نتيجة التخطيط أسرع و أسهل و أوسع.
و ليس بين هذين الأمرين تناف، بل هما متفقان في الايصال المطلوب إلى النتائج المتوخاة، و سوف يكون الأمر الأول أشد وضوحا و أهمية مع وجود الأمر الثاني، فإن من يرسب في التمحيص، بالرغم من وجود الفرص الكافية للنجاح، يكون أشد اجراما و أبعد عن الحق و العدل، ممن يرسب بدون هذه الفرص، كما هو واضح.
و هذا يشكل احدى الفوارق في النتائج بين هذا التخطيط و سابقه، فبينما نجد أن التخطيط السابق يتمخض عن ضعف المسئولية، كما سبق أن برهنا في التاريخ السابق [١] نرى هذا التخطيط مساوقا مع عمق المسئولية و دقتها.
و يرجع ذلك لعدة أسباب، لعل من أوسعها و أوضحها، كون تطبيق العدل في التخطيط السابق مخالفا للاتجاه العام المملوء بالظلم و الجور، حتى يكون القابض على دينه
[١] تاريخ الغيبة الكبرى ص ٤٥١ و ما بعدها إلى عدة صفحات.