تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٤٥ - الجهة الثانية في محاولة ايجاد فهم عام لهذه الأخبار، بشكل يكون مرتبطا بالتخطيط العام
و أوضح دليل على هذا الانقسام: أننا نجد بالوجدان أن عددا مهما من الأحكام لم يكن في الإمكان أن يصدر في صدر الإسلام و زمن القادة الإسلاميين الأوائل لعدم معرفة المجتمع بموضوعها بالمرة، و عدم مناسبتها مع المستوى الفكري و الثقافي له ... كحكم ركوب الطائرة و استعمال القنابل الجرثومية و حكم زرع القلب و غير ذلك.
و معه، فالضرورة مقتضية لتأجيل بيان هذه الأحكام و إعلانها إلى ما بعد معرفة المجتمع بموضوعاتها، و هذا لا يكون مع البعد عن مصدر التشريع بطبيعة الحال، و إنما تعلن عند اتصال البشرية مرة ثانية بهذا المصدر متمثلا بالإمام المهدي (ع).
المورد الثاني: الأحكام التالفة على مر الزمن، و السنة المندرسة خلال الأجيال، مما يتضمن أحكام الإسلام و مفاهيمه أو يدل عليها.
فإن ما تلف من الكتب التي تحمل الثقافات الإسلامية على اختلافها، بما فيها أعداد كبيرة من السنة الشريفة و الفقه الإسلامي، نتيجة للحروب الكبرى في التاريخ الواقعة ضد المنطقة الإسلامية، كالحروب الصليبية و غزوات التتار و المغول و غير ذلك ... عدد ضخم من الكتب يعد بمئات الآلاف، مما أوجب انقطاع الأمة الإسلامية عن عدد مهم من تاريخها و تراثها الإسلامي، و احتجاب عدد من الأحكام الإسلامية عنها.
المورد الثالث: أن الفقهاء حين وجدوا أنفسهم محجوبين عن الأحكام الإسلامية الواقعية في كثير من الموضوعات المستجدة، و الوقائع الطارئة على مر الزمن ... اضطروا إلى التمسك بقواعد إسلامية عامة معينة تشمل بعمومها مثل هذه الوقائع ... و هي قواعد إسلامية صحيحة تنقذ الفرد عند جهله بالحكم و تعين له الوظيفة الشرعية إلا أن نتيجتها في كل واقعة ليست هي الحكم الإسلامي الواقعي أو الأصلي في تلك الواقعة، و إنما هو ما يسمى بالحكم الظاهري، و هو يعني ما قلناه من تحديد الوظيفة الشرعية للمكلف عند جهله بالحكم الواقعي الأصلي.
و هذا النوع من الأحكام الظاهرية أصبح بعد الانقطاع عن عصر التشريع و إلى الآن مستوعبا لأكثر مسائل الفقه أو كلها تقريبا ما عدا الأحكام الواضحة الثبوت في الإسلام.
و الفتاوى التي يعطيها الفقهاء في مؤلفاتهم، و إن لم تكشف عن هذا المعنى بصراحة، و إنما نراهم يعطون الفتوى عادة بشكل قطعي، مشابه لإعطائهم الفتوى بالحكم الواقعي الأصلي. إلا أن مرادهم بقطعية الحكم: قطعية الحكم الظاهري، أي: أن هذه الفتوى هي غاية تكليف المكلفين في عصر الاحتجاب عن عصر التشريع. و هي الفتوى التي