تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٤ - الجهة الثالثة في الصعوبات التي يواجهها هذا البحث
هناك إلا حوادث متفرقة و لمام من الأقوال من دون ترتيب و تعيين. و إذا ازداد البعد و توجه النظر- مثلا- إلى حادثة موته أو قتله و إلى من يخلفه بعده، كانت الروايات نادرة إلى حد كبير.
و هذه الصعوبات الثلاثة أمور راهنة تعمدها النبي (ص) و الأئمة (ع) في حديثهم عن المهدي (ع) لعدة أسباب، أهمها: وجود الفجوات الثقافية و الفكرية الواسعة بين عصر صدور الروايات و العصر الذي تتحدث عنه الروايات، من حيث أن تطور الفكر الإسلامي و تعمقه خلال القرون المتطاولة التي يعيشها ما بين هذين العصرين، و تطوره المتزائد على يد القائد المهدي (ع) ... جعل من المتعذر على سامعي هذه الأحاديث في عصر المعصومين (عليهم السلام) فهم و استيعاب ما قد يقع من أعمال و أقوال في العصر المؤرخ له. و من هنا كان من المصلحة سكوت المعصومين عن التصريح بها أساسا، وفقا لقانون: كلم الناس على قدر عقولهم.
الصعوبة الرابعة: اتخاذ الروايات مسارا معينا من التفكير، بحسب المذهب الإسلامي الذي تتبناه.
و الحديث عن ذلك، يتشعب إلى شعبتين، باعتبار ما ورد من الأخبار في مصادر العامة تارة، و ما ورد من الأخبار في المصادر الخاصة أخرى.
الشعبة الأولى: في الأخبار الواردة في مصادر العامة من اخواننا أهل السنة و الجماعة، كالصحاح الستة و غيرها.
فان هذه الأخبار التي تتضمن التنبؤ بحوادث المستقبل، من هذه المصادر، تنقسم إلى أربعة أقسام. و ما يفيدنا- كما سنعرف- هو أشدها اختصارا و غموضا.
القسم الأول: و هو الذي يمثل المسار العريض و الاتجاه الفكري الأهم لهذه الأخبار، و هو الحديث عن الفتن و الملاحم أي الحروب التي تقع خلال التاريخ، و ما ينبغي أن يكون موقف الفرد المسلم منها. ثم الحديث عن الدجال و أوصافه و أفعاله، و الحديث عن عيسى بن مريم (ع) و نزوله إلى الأرض و حروبه مع الدجال و مع يأجوج و مأجوج بعد انفتاح السد الذي حبسوا خلفه. و نحو ذلك من المضامين.
و هذا هو الذي يمثل الاعم الأغلب من الأخبار الناقلة لحوادث المستقبل و قد سبق أنا ذكرنا و ناقشنا في «تاريخ الغيبة الكبرى» ما يعود منها إلى تلك الفترة.
و هي لا تمت إلى (اليوم الموعود) بصلة. و سنذكر في هذا التاريخ ما يعود منها إلى