تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٤٦ - الجهة السادسة البيعة بعد الخطاب
يحول دونه بذل مال و لا نفس.
و هي أمر مشروع في الإسلام، قام به النبي (ص) تجاه أصحابه في بيعة الرضوان، و نزل في مدحهم القرآن الكريم: قال اللّه تعالى:
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [١].
و قد كانت البيعة أمرا معترفا به و مطبقا قبل الإسلام بين الملوك و الرعية ...
و أمضاها الإسلام بعد أن أعطاها الصبغة الدينية، لما لها من الأثر البليغ في ربط الفرد بالحاكم و شده إليه نفسيا و عاطفيا، في أغلب المجتمعات التي هي في طريق التربية. و من الواضح أن شد الفرد نفسيا إلى الحاكم أو القائد الإسلامي مطلوب و ذو نتائج عامة و خاصة، تعود إلى تربية الفرد نفسه و إلى المجتمع، و من ثم اقتضت المصلحة في الإسلام اقرار هذه الفكرة أو هذا الأسلوب في تأييد الحاكم و الاعتراف بحكومته و ولايته.
و هذا لا يعني أن لها أثرا فقهيا أو (قانونيا) كاملا في الإسلام ... لوضوح وجوب إطاعة الحاكم الإسلامي على كل حال، سواء وقعت البيعة أولا. كما أن عدم وقوع البيعة لا يعني التمرد على الحاكم إذا كان الفرد مؤمنا به و عازما على تطبيق أوامره و إرشاداته. و إنما تعني التمرد إذا كانت دليلا على العصيان و الانحراف.
نعم، إذا أمر الحاكم الإسلامي بالبيعة أو جلس لاستقبال المبايعين، كما فعل النبي (ص) و سيفعل المهدي (ع)، فيجب على الأفراد القيام بها تجاهه، و يكون تركها عصيان من جهتين:
أولا: لكون تركها إهمالا لأمر الحاكم الإسلامي الذي يجب اطاعته في كل أوامره.
ثانيا: لأن أمره بالبيعة و جلوسه من أجلها يعطي هذه الفكرة، و هي أن هذا الحاكم الإسلامي يرى الآن- و من خلال هذا الأمر- أن الاعتراف بولايته و حاكميته منوط بالطبيعة و متوقف عليها. فلو تركها الفرد كان غير معترف بولايته، فيكون متمردا عليه.
و من ثم لا تقتضي تلك القاعدة الفقهية ترك البيعة التي يأمر الحاكم الإسلامي بها أو يجلس من أجلها. بل مقتضى القواعد الفقهية الإسلامية وجوبها على كل ملتفت الى ذلك الأمر أو تلك الرغبة.
[١] الفتح: ٤٨/ ١٨.