تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٣٩ - الجهة الثانية في نتائج التربية الاسلامية في دولة المهدي
و السيرة العقلانية ... و المظنون أن عددا منها غير معروف أساسا ... فإن المثاني إنما أوتيت إلى النبي (ص) «و لقد آتيناك»، و من المظنون أن بعضها بلغه النبي (ص) إلى الناس، و بعضه بقي مذخورا إلى اليوم الموعود.
و سواء عرفناها أو لم نعرفها، فاليوم الموعود، هو وقت إعلانها جميعا. فأصحاب الإمام المهدي (ع) سيصبحون، باعتبار تعاليمه و هداه، عارفين بكل المثاني السبع، يطبقون متطلباتها و يفهمون الناس موجباتها و آثارها في حدود ما تقتضيه مصالح التكامل البشري يومئذ.
و الخبر الذي يعرب عن ذلك، لا يدل على أن أصحاب الإمام (ع) يعلمون الناس المثاني نفسها- و إنما قال: بأيديهم المثاني، يعلمون الناس المثال المستأنف. فهم يأخذون المثاني بنظر الاعتبار، من أجل إشاعة الثقافة العليا بين الناس.
و المثال المستأنف، هو هذه الثقافة، و هي الإيديولوجية الكبرى التي يبشر بها المهدي في دولته، نعرف ذلك من خبر آخر أخرجه النعماني بسنده عن جعفر بن محمد (ع) أنه قال: كيف أنتم لو ضرب أصحاب القائم الفساطيط في مسجد كوفان، ثم يخرج إليهم المثال المستأنف.
و إنما سميت هذه الثقافة بالمثال المستأنف باعتبار أمرين:
أحدهما: كونها مثالية (أعلى من الواقع المعاصر بكل مستوياته) بالنسبة إلى عصر صدور هذه الأخبار، بل بالنسبة إلى عصر ما قبل الظهور عموما.
ثانيهما: باعتبار كونها جديدة على الأذهان غير معهودة لدى أغلب الناس بل جميعهم في عصر ما قبل الظهور. فباعتبار الأمر الاول كانت (مثالا) و باعتبار الأمر الثاني كانت أمرا (مستأنفا).
المثال المستأنف يخرجه المهدي (ع) إلى العالم بشكل رئيسي، فيتلقاه أصحابه عنه بشكل كامل و دقيق، فيعطونه إلى العالم و يبلغونه إلى البشر توصلا إلى الهدف الإلهي الرئيسي في إيجاد المجتمع الكامل ذو العبادة الإلهية الكاملة ... طبقا لقوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.
هذا و قد اشتملت بعض هذه الأخبار على التصريح بأن شيعة علي (ع) هم الذين يقومون بهذه المهمة الكبرى. و هو دال بوضوح على أن أصحاب المهدي (ع) على مثل هذا المذهب، و قد سبق أن بسطنا الكلام في ذلك عند الحديث عن المذهب الإسلامي