تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٦ - روايات نفي التوقيت
فإن تحديد التاريخ يمكن أن يكون على مستويين:
المستوى الأول: علم اللّه الأزلي بالأشياء منذ القدم، المتعلق بكل الممكنات أو المخلوقات بأسبابها و مسبّباتها.
المستوى الثاني: وجود المعلول بالنسبة إلى وجود علته، فإن المعلول يحدث متى حدثت علته، بلا دخل للزمان في ذلك أصلا.
مثاله: إننا لو نسبنا تاريخ اكمال بناء البيت بالنسبة إلى القوى المادية و البشرية العاملة فيه، كان تاريخه منوطا بتحقق هذه المكونات، حتى ما إذا وضع البناء آخر حجر في كيان الدار، تكون هذه الدار قد انتهت، بغض النظر عن طول زمن البنّاء و قصره ...
فانه قابل للاختلاف حسب الظروف و الطوارئ و القابليات و الإمكانيات.
و حيث يبرهن فلسفيا بأن علم اللّه تعالى الأزلي المتعلق بالأشياء ليس علة لها، و إنما يتعلق بها و يكشف عنها على ما هي عليه في الواقع؛ إذا، ففي الإمكان قصر النظر على واقع الشيء بغض النظر عن تعلق ذلك العلم به و معه يكون المستوى الثاني للتوقيت صحيحا، و يكون وجود الشيء منوطا بوجود علته و اجتماع شرائطه و مكوناته، من دون أن يكون الزمن ملحوظا في تحديد حدوثه على الاطلاق ... بل قد يكون قابلا للزيادة و النقص، كما قلنا.
و من هذا القبيل، يوم الظهور. فإننا لو غضضنا النظر عن علم اللّه الأزلي لم يبق لدينا أي وقت محدد له؛ و إنما هو منوط بحصول شرائطه و علله. فمثلا نقول: متى اجتمع العدد الكافي للغزو العالمي بالعدل الكامل. من المخلصين المحصين، كان يوم الظهور ناجزا، سواء كان زمان وجودهم و الفترة التي تقتضي تحققهم طويلة جدا أو قصيرة.
و هذا دليل آخر على أن التوقيت بمعنى تحديد التاريخ المعين جزاف محض.
و هذا هو مرادنا من التوقيت الذي برهنا عليه. و هو توقيت إجمالي يخلو من التحديد بالزمان تماما. فلا يكون قولا جزافا و لا واجب التكذيب. كما لا يكون تحديده الإجمالي خطرا على الإمام المهدي و موجبا لفشل مهمته بعد الظهور.
هذا تمام الحديث في توقيت الظهور باعتبار شرائطه.
و أما توقيت الظهور باعتبار علاماته. فقد سبق أن عرفنا في التاريخ السابق جملة من العلامات، و فحصنا ادلتها و دققنا في معانيها ... و لنا موقف آخر معها في الباب الثاني الآتي من هذا التاريخ.