تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٦٢ - الجهة السادسة في السياسة المالية للدولة المهدوية
و اما الاحتمال الثاني: فهو المطلوب، لأنه على تقدير صحته، يتعين أن تكون كثرة المال في دولة المهدي نفسها.
و أما الاحتمال الثالث، فهو- في واقعه- لا يتضمن مفهوما مغايرا للاحتمال الثاني:
فإننا سنبرهن في الكتاب الآتي من هذه الموسوعة مفصلا على أن دولة المهدي و نظامه سيبقى مستمرا إلى نهاية البشرية، فكثرة المال لو لم يتحقق في حياة المهدي (ع) بل تحقق بعده، طبقا لهذا الاحتمال، فهو قد تحقق في نظام المهدي و دولته العادلة نفسها، مهما أبطأ في الوجود. و لكن إذا صح أن يوجد المال بكثرة نتيجة للنظام العادل، فأحرى به أن يوجد في حياة الإمام المهدي (ع) نفسه بصفته القائد الأعظم و الأجدر من قادة هذه الدولة على الإطلاق، و المؤسس للنظام التكاملي و التربوي البعيد المدى فيها.
و معه يتعين الاحتمال الثاني، و هو أن تكون كثرة المال التي أعربت عنها أي رواية من هذه الروايات و غيرها، لا تكون بدايتها إلا في عصر وجود المهدي (ع) بشخصه في دولته العالمية. و إن استمرت هذه الكثرة بعده قرونا من الزمن.
القرينة الثانية: ان تجعل الروايات التي تربط كثرة المال بظهور المهدي (ع) قرينة على أن المراد من الروايات الساكنة عن ذلك هو ذلك أيضا. و هذا فهم عرفي و لغوي صحيح، ناشئ من حمل المطلق على المقيد، أو فهم المطلق على ضوء المقيد.
و الروايات التي تربط كثرة المال و حصول الرفاه الاجتماعي بظهور المهدي على قسمين:
أحدهما: روايات المصادر الخاصة كلها، مما سمعناه و مما لم نسمعه.
ثانيهما: الأغلب من روايات المصادر العامة. فإننا روينا في هذا الفصل منها اثني عشر نصا. منها خمسة نصوص تسمي المهدي على التعيين. و ثلاثة منها تصف المهدي بصفة لا تنطبق إلا عليه كقوله. فيبعث اللّه عز و جل رجلا من عترتي فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا. و قوله: يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال و لا يعده، و نحوها من الروايات التي لا يراد منها إلا المهدي (ع)، بإجماع المسلمين.
و منها: أربعة نصوص مهملة من هذه الجهة، هي روايتان عن البخاري و واحدة عن مسلم و واحدة عن الترمذي. و هي التي تقول- طبقا للقاعدة اللغوية العامة- إن تلك الروايات الأكثر عددا و الأوضح صراحة تكون قرينة على أن المراد منها هو عصر ظهور المهدي نفسه، ليس غير.