تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٦٠ - الجهة السادسة في السياسة المالية للدولة المهدوية
الناحية الثانية: ما هو الهدف الذي يتوخاه الإمام المهدي (ع) من عرض الأموال للناس و توزيعها عليهم مجانا، كما أخبرتنا الأخبار.
و يمكن أن نتصور لذلك إحدى أطروحتين محتملتين:
الأطروحة الأولى: أن كمية ضخمة من المال، كما سمعنا، تبقى من دون أن يتوقع لها منفذ معين. و من هنا يكون من المنطقي أن ترصد للمحتاجين أفرادا و مجتمعات، على طول الخط. يأخذ منها المحتاج- أيا كان- بدون مقابل و بدون شروط، و بدون تحديد كمية معينة، ما دام المقدار معقولا و منطقيا.
غير أن الأخبار دلت بوضوح على عدم إقدام الناس للحصول على شيء من هذا المال، لعدم وجود المحتاج بأي شكل من أشكاله في الدولة المهدوية العادلة، حتى أن هذا الفرد الذي يأخذ المال ثم يندم عليه، سيكون دافعه للأخذ هو الطمع و ليس الحاجة، و من هنا أمكنه التفكير بإرجاعه بدون حرج.
الأطروحة الثانية: أن دولة المهدي (ع) بعد أن تستتب أساليبها و برامجها في إغناء الناس و إسعادهم، حتى لا يبقى فقير على الإطلاق و لا مشتاق إلى المال أصلا؛ عندئذ تتعلق المصلحة ببيان ذلك و إيضاحه أمام البشر أجمعين و التاريخ و ذلك بالقيام بتخطيط معين موقت، و هو أن تعد الأموال الفائضة و يعلن في الناس إعلانا عاما، بان من يريد أن يحصل على المال، فإنه يستطيع ذلك بمقدار ما يشاء. و حين لا يقبل الناس على أخذ المال، غير واحد فقط، يثبت بالضرورة أن جميع الأفراد قد أصبحوا أغنياء و مرفهين إلى حد انقطعت أطماعهم و تحققت كل آمالهم.
فإذا استطعنا أن نتصور أن هذا التخطيط المعين في كثير من بلدان العالم، يبدأ به المهدي (ع) في العاصمة المركزية، و يطبقه الحكام الموزعون على الأرض كل في إقليمه ... و إذا كانت الاستجابة من الناس هي نفسها أو مقاربة في كل البلدان، حتى التي كانت معتادة على الجشع الرأسمالي ... حينئذ نستطيع أن ندرك كيف و لما ذا أصبحت هذه التجربة هي المزية الرئيسية للإمام المهدي (ع) لم يستطع أحد قبله على الإطلاق أن يؤديها أو أن يفكر فيها فضلا عن أن ينجح في ادائها ... مهما كانت دعاوى العقائد المنحرفة السابقة على الظهور، ذات ضجيج و عجيج.
و من هنا نصت جملة من الأخبار على هذه المزية بالتعيين، و لم تصف المهدي (ع) إلا بها. كالذي أخرجه مسلم: يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال و لا يعده. و ما