تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٦٢
الأعلى من خلقة البشرية، و هو إيجاد العبادة الكاملة في ربوعها، قد تحقق، و خاصة بعد بقاء هذا المجتمع على حاله الرفيع ردحا طويلا من الزمن.
عندئذ يبدأ- طبقا لهذا الفهم- تخطيط إلهي جديد، هو التخطيط الأخير في البشرية. ليستهدف إيجاد المجتمع الكافر أو المنحرف بكل أفراده، ليكون هو المجتمع الذي تقوم عليه الساعة.
و لو نظرنا إلى طبائع الأشياء بحسب فهمنا المعاصر، أمكننا أن نجدد الخطوط العامة لهذا التخطيط العام.
إن الدفع الإيماني القوي الذي أوجده المهدي القائم (ع) في البشرية و الذي أذكى أواره و حافظ على كيانه المهديون الاثنى عشر بعده، خلال مئات السنين، حتى أنتج نتيجته الكبرى، و هو المجتمع المعصوم ... إن هذا الدفع سوف يكون مهددا بالخطر إلى حد ما حين ينقلب أمر الخلافة من التعيين إلى الانتخاب.
إن هذا الدفع سوف يبقى صافيا صحيحا أجيالا متطاولة من الزمن ما دامت درجة العصمة محفوظة في المجتمع. إلا أن الأجيال المتأخرة سوف تنزل عن هذه الدرجة تدريجا.
و ستعمل عوامل الشر في نفس الإنسان و نوازع المصلحة من جديد. و سوف لن يوجد لها الرادع الكافي في حفظ العصمة، لأن التخطيط الإلهي قاض بارتفاع هذه الصفة تدريجا من المجتمع.
و سوف يأتي بالانتخاب إلى كرسي الرئاسة، أولياء مهما كانوا على مستوى العدالة العليا، إلا أنهم لم يرافقوا المهدي (ع) و لم يعاصروا خلفاءه المهديين. و لم توجه إليهم تربية خاصة من أجل تولي مهام الرئاسة- و من هنا سوف يبذل كل رئيس وسعه في دفع التيار المنحرف لن يستطيع الإجهاز عليه، بل يبقى يستفحل على مر السنين و يعم بين البشر، إلى أن ينحسر الدين عن القلوب و العقول، و يصبح الناس كما كانوا قبل ظهور المهدي (ع) على مستوى عصيان واضحات الشريعة الإسلامية، حيث سمعنا من إحدى الروايات قتل أحد الشخصيات الإسلامية في داخل الحرم. بل سوف يزداد الوضع سوءا حتى لا يقال: اللّه، اللّه، على ما نطقت به بعض الروايات [١].
و عندئذ يتحقق أمران لا مناص منهما:
[١] انظر مثلا- مستدرك الحاكم ج ٤ ص ٤٩٤.