تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥٩٨ - مثبتات الاحتمال الثاني
و بهذا الفهم نستطيع أن نناقش مثبتات كلا الاحتمالين، و نعرف المناشئ الحقيقية لها.
فالإنقاذ العالمي مهمة مجيدة واحدة، لا معنى لتعددها، بعد البرهنة على عدم الحاجة إلى ذلك، كما سوف يأتي في الباب الآتي و في الكتاب الآتي. و المنقذ العالمي واحد، هو المهدي الإسلامي دون غيره.
و أما تسمية النبي عيسى (ع) بالمسيح بلا منازع، فهو لا يدل على استقلاله بهذه المهمة لوجهين:
الوجه الأول: أن تسمية المسيح عيسى بن مريم (ع) بهذا اللقب، لم يكن مستعملا في حياته. بل كان يتخذ مدلولا عاما [١]، و إنما أكد على ذلك طلابه كتبة الأناجيل الأربعة، إيحاء بانه المنقذ المنتظر و المطبق لملكوت اللّه دون غيره.
و أما تلقيب القرآن الكريم له بهذا الوصف، فهو باعتبار الشهرة الموجودة في ذلك العصر به، نتيجة لتركيز المسيحيين على ذلك طيلة عدة قرون.
إذا، فهذه الشهرة العالمية لعيسى أو يسوع (ع)، بهذا اللقب، ليس له أي مدلول أكثر من إطلاقه على داود أو شاؤل الذي كان لمجرد مجاملتهما على ما يبدو، بعد اليقين بأن أيا منهما لم يكن هو المنقذ المنتظر.
الوجه الثاني: أنه يكفي- في حدود الفهم الذي عرضناه- لتلقيب عيسى (ع) بالمسيح جهوده الكبرى في بناء اليوم الموعود، كما سنعرف. إلى حد يصدق من الناحية العلمية نسبة تطبيق العدل الكامل إليه، و إن كان ذلك في الواقع بقيادة الإمام المهدي الإسلامي (ع).
و لعل هذا هو الوجه الذي حدا بالقرآن الكريم إلى الاعتراف بهذه الشهرة لهذا النبي (ع) و عدم إلغائها أو تبديلها، على حين ألغاها بالنسبة إلى غيره كداود (ع).
و بهذا يكون المثبت الأول للاحتمال الأول مندفعا.
و أما ما تسالمت عليه الديانتان من عودة المسيح في آخر الزمان، فهو لا يدل بمجرده على استقلاله بتطبيق اليوم الموعود، بل نحتمل- على الأقل- أنه لمجرد المشاركة فيه، لاجل نيل المصالح التي سنعرف طرفا منها في ما يأتي.
[١] انظر: يوحنا ٧/ ٢٧ و ٤٣.