تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٨٢ - الجهة الثالثة موقف الإمام المهدي
و الدعوة إذا كانت عالمية بهذا الشكل، فإنها تكون منافية للعنصرية بالمرة و ذلك بعد الالتفات إلى مجموع أمرين:
الأمر الأول: ان التطبيق الحقيقي للعدل و التربية العادلة، لا يمكن اتمامه إلا بجو من الانسجام و التقبل النفسي للفرد و الجماعة، لكي تترسخ القواعد الأساسية و السلوك الصالح في عالم الحياة.
و أما مع جو الانزجار و التأفف و التباعد، فلا يمكن أن تنال البشرية مثل تلك النتائج الصالحة. و من ثم لا يمكن تطبيق العبادة الكاملة على تلك الجماعة فيكون مخلا بالغرض الأساسي لخلق البشرية.
الأمر الثاني: ان الاعتراف بالعنصرية بأي شكل من أشكالها، يعني أن العنصر الآخر، الذي لم يعترف به من البشر، و قام النظام على الالتزام بتسافله و خسّته أمام العنصر المفضل. ان هذا العنصر سوف يشعر بالغربة في ذلك النظام و بالتعقد النفسي و الانزجار و التأفف تجاهه، بطبيعة الحال.
و نحن إذا لاحظنا العالم ككل لم نجد أي عنصر من العناصر التي يتبناها العنصريون يشكل أكثرية في العالم، و انما يشكل الأقلية على طول الخط. و هذا يعني بكل وضوح، ان الدولة العالمية لو تبنت أي عنصر من العناصر، و فضلته على غيره، فإنها تتبنى مصالح الأقلية من شعبها و تعتبر أكثريتهم من الجنس الأخس الأدنى إذا فستحس الأكثرية بالتعقد و الانزجار تجاه تلك الدولة بحكم كونهم محكومين بالخساسة و التسافل في نظامها. و بالتالي ستتعذر تربيتهم الصالحة المطلوبة، و يكون الغرض من أصل الخليفة متخلفا و فاشلا.
و باستحالة تخلف هذا الغرض، نعرف لزوم كون الدولة العالمية المهدوية سلبية تجاه العناصر البشرية، و حيادية تجاه التفاضل بينها، و ملغية لها كأساس للتفاضل تماما ...
توصلا إلى التربية العادلة للبشرية أجمعين.
و قد يخطر في الذهن: أن الفكر الحديث قد طور مفهوم العنصرية، فقد أصبحت لا تعني تفضيل عنصر على عنصر. و إنما كل ما تعنيه هو الاهتمام بمصالح مجموعة معينة مشتركة في اللغة أو الوطن أو غير ذلك، انطلاقا من اشتراكها بالمصالح و التاريخ و الآمال، و هذا لا يتضمن تفضيلا لأحد.
و جواب ذلك: إنه بغض النظر عن أن هذا التطوير لا يخرج بالفكرة عن التحديد و الأنانية، و من ثم عن العنصرية نفسها ... بغض النظر عن ذلك، فإنها أوضح بعدا